مطلوب راقصة

نعم بكل بساطة مطلوب راقصة.. لست أنا من أطلبها بالتأكيد؛ ولكن هذا الصباح وخلال تصفحي الفيسبوك ظهر إعلان من شركة توظيف لفرصة عمل لراقصة، ولا أنكر بأني اعتبرته شيئا غريبا بعض الشيء، قيام شركة توظيف بهذا الطلب! وبدأت أتخيل من هو صاحب العمل وكيف طلبوا من شركة التوظيف البحث عن الموظفة المثالية لهذا العمل، وما هي المواصفات المطلوبة وآلية تقييم المتقدمات؟!.. ومنعت نفسي في الدخول في الجدال المستمر فيما إذا كان فن الرقص الشعبي فناً يساعد على بناء المجتمع ونوعاً من أنواع الفنون مثله مثل الرسم والأوبرا أم هو مضيعة للمال والوقت لشبابنا بالرغم بأن وقتهم ضائع مسبقا!
 

أوقفت تخيلي عند هذا الحد ورجعت إلى الإعلان الذي يتضمن راتب مغري يبدأ من 5500 دولار أمريكي وهو راتب لا يحلم به خريج كلية تم توظيفه حديثا إذا وجد أصلا الفرصة في التوظيف في بلادنا العربية، فهذا الراتب يقضي على طموح أي متعلم أو راغب بالتعليم، إذ لا يعقل أن تأخذ الراقصة راتبا شهريا أعلى بكثير من مدرسينا في المدارس أو حتى أساتذتنا في الجامعات، ولست هنا في حالة حسد أو نق -كما يقول إخواننا المصريين- للراقصة أو في موقع التقليل من المجهود الذي تبذله وهي تبذل الكثير بلا شك، ولكني أشعر بالحزن على مدرسينا بعد أن يقرأ هذا الإعلان.
 

كمية التعليقات على إعلان "مطلوب راقصة" تدل على أن معظم المعلقين لا يجد فرصة للعمل، فلم يجدوا إعلانا يجذب اهتمامهم بل وجدوا إعلان عن طلب راقصة ولا يشترط أن تكون لديها شهادة مما زاد في خيبة الأمل.

نص الإعلان يفضل أن تكون المتقدمة من الجنسية العربية وهو مؤشر أن البضاعة العربية تنافسها الآن بضاعة من مناشيء أجنبية، وهذه البضاعة تتفوق عليها بالجودة والسعر والوفرة الدائمة فلا جمارك ولا تدقيق ولا ضرائب تفرض عليها لكي تحمي المنتوج المحلي وهذا على ما يبدو ينطبق حتى في مجال الرقص، فلا عجب أن نرى احتلالا لوظائفنا كما اُحُتلت أسواقنا.
 

كما أني تفاجأت من كمية التفاعل والمشاركات التي حصده هذا الإعلان والتي قد تكون أكثر من أي خبر يخص حكومة من الحكومات أو معلومة علمية تنشرها إحدى المجلات مما دفعني إلى الدخول إلى الإعلان، وأمضيت وقتا طويلا أقرأ التعليقات وأدخل على صفحات المعلقين فضولا مني في معرفة المهتمين بهذا الإعلان، وكيف جذب هذا الإعلان هذا العدد الكبير من المهتمين! وهو أمر نبهني إلى حجم البطالة التي لدينا، فشبابنا عاطل عن العمل أو مُعطل عن العمل أو يعمل تحت صنف البطالة المقنعة.
 

والملاحظة الأخرى أن أغلب المعلقين من المتعلمين بل ومن حملة الشهادات العليا وكل منهم يتهكم على الإعلان ويعرض خدماته على الموقع؛ فمنهم من يسأل ألا تحتاج الراقصة إلى محاسب ينظم حساباتها أو طبيبة تعرض خدماتها في حالة إصابة الراقصة بالآلام بعد الرقص الطويل أو مهندسا ينظم صالة الفرح، وكمية التعليقات تدل على أن معظمهم لا يجد فرصة للعمل -وهو فائض عن الحاجة- فلم يجدوا إعلانا يجذب اهتمامهم بل وجدوا إعلان عن طلب راقصة ولا يشترط أن تكون لديها شهادة مما زاد في خيبة الأمل.
 

كثير من المعلقيين على الإعلان من الاختصاصات الطبية والهندسية، أطباء، صيدلانيين، مهندسين، معماريين وهم من كانوا الفئة التي أفنت كثيرا من وقتها في مرحلة ما قبل الجامعة وكانوا تحت ضغط شديد في تحقيق أحلام ذويهم في أن يكونوا من علية القوم، ولم يكن أهلهم يبخلون في أي جهد لتذكيرهم بأن عليهم أن يصبحوا أطباء أو مهندسين ولم يعلموا الإحباط الذي سيصيبهم بعد مطالعة هذا الإعلان.
 

هذا الاعلان يضرب عرض الحائط كل المفاهيم التي نربي عليها أطفالنا، ويعكس واقعا نعيشه اليوم حيث وضعنا فيه أنفسنا عندما رضينا أن تكون راقصة "الأم المثالية" وأن تنافس أماً لشهيد على هذا اللقب.. أو أماً ضحت بالغالي والرخيص لكي تربي أولادها، وأن تنحصر النجومية في أشخاص ليس لهم أي إسهام في حياتنا أو مستقبلنا سوى تفاهات نضطر إلى سماعها عبر التلفزيون والراديو كل يوم وفي كل مكان.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تقول الطالبة اللبنانية هالة إن ذويها يرفضون التحاقها بمادة الرقص والتعبير الجسدي التي أقرتها وزارة التربية اللبنانية، فيما لو كانت اختيارية، لكنها اعتقدت أن عددا من صديقاتها يفضلونها على الفرنسية.

انتقل الرقص المصري من صالات الأفراح والأندية الليلية وشاشات السينما والتلفزيون ليجد له مكانا ووظيفة أيضا في السياسة تضمن له "الحصانة" من الملاحقة القضائية.

أسفر المشهد المصري بعد انقلاب الثالث من يوليو، الذي تصدره الفنانون والممثلون والراقصات، عن انتشار ظاهرة الرقص في الشوارع ومراكز الاقتراع والمدارس والجامعات، حتى وصلت هذه الظاهرة إلى ساحات المساجد.

الأكثر قراءة