دلالة الاحتفال بالذكرى السادسة لثورة فبراير

أنصار الثورة لم يكونوا يتصوروا أن يظهر الاحتفال بالذكرى السادسة للثورة مهيبا وضخما، وخصومها، أو خصوم من أحيوا ذكراها قادوا حملة مضمونها أن الحضور الكبير واكتظاظ الميادين الرئيسية في أغلب مدن الغرب الليبي كان مدفوع الثمن، فالرشاوى هي من كانت وراء التجمعات الضخمة خاصة في العاصمة طرابلس.
 

التدليل على بطلان دعوى الرشوة سيكون ضعيفا ضعف الادعاء ذاته، لهذا فلن أصرف جهدا فيه، لكني أؤكد أن التجمعات الكبيرة والتي شكلت سحابة مهيبة من أعلام الاستقلال بألوانها المعبرة خاصة في ميدان الشهداء لها دلالة مهمة حتى لو وافقنا من قالوا بأن كثير من المشاركين في الاحتفال جاءوا للتسلية أو الترفيه والتسرية عن أنفسهم.
 

الدلالة أن الاحتفال بفبراير أمر محبب أو مقبول في أضعف الاحتمالات، وأن التعبير عنه بهذا الشكل المهيب يعني أن فبراير حاضرة في قلوب كثير من الناس، فمن يرفضها لا يمكن أن يكون طرفا في الاحتفال بها، ومن يناصرها يجتهد في أن يعبر عن ذلك بكل ما أوتي من جهد، خاصة وأن كافة أو جُل مظاهر الاحتفال كانت طوعية وبجهود أنصار فبراير، ولم تكن عمل روتينيا حكوميا من مسؤوليات السلطة التنفيذية تدرجه ضمن أجندة أعمالها كل عام.
 

التنكب المتعمد عن تخليد ثورة 17 فبراير مؤشر على انحراف يفوق كافة الانحرافات التي شهدتها البلاد خلال الست سنوات الماضية، ولهذا معناه القوي الذي لا بد أن أنصارها يحسون بمرارة تجاهل الاحتفاء.

تكتسب هذه الدلالة قيمتها أكثر في ظل الوضع السياسي والاقتصادي والأمني المتردي جدا. إذ لم تخلط الجموع التي شاركت، وكانت مشاركة الكثير منهم مشحونة بالحب والذكريات، لم تخلط بين فبراير الثورة، والممارسات السيئة التي يعتقد جمور واسع من الليبيين أنها إفرازا للثورة. وكأن المحتفلين يقولون أن الثورة كانت هبة عفوية وانتفاضة طاهرة أوقد جذوتها شباب قدموا الغالي والرخيص لأجل نجاحها، فكانت تضحياتهم المبهرة تاج على رأس الثورة، وأن ما جاء بعدها من انتكاسات هي أعمال المنحرفين عن مسار الثورة، والمتسلقين على ظهور من فجروها ورووها بدمائهم.
 

أيضا تكتسب دلالة الاحتفال الكبير بالذكرى السادسة للثورة أهمية إضافية بالنظر إلى أن الثورة تم إهمالها في المناطق التي من المفترض أنها أولى بالاحتفال من غيرها، وأقصد المدن تحت البرلمان والجيش التابع له وعملية الكرامة. فبنغازي شرارة الثورة كما هو معروف ومألوف لم تشهد احتفالا بفبراير، ولا المدن التي ساهمت بقوة في إشعال فتيلها مثل البيضاء وطبرق، ولا أشك أن هذه الواقعة لها ما بعدها في مسار الانتقال التي تشهده ليبيا بكافة تعرجاته التي وقعت منذ فبراير 2011 وحتى اليوم.
 

كل من ناصر ثورة 17 فبراير، وهم أغلبية لا بأس بها، يجمعون على أنها نقية نقاء الماء صافية صفاء السماء في أروع أيام الصيف، وأن الاحتفال بها يرتبط بهذا النقاء والصفاء، وبالتضحيات التي أذهلت القاصي والداني، وأن التنكب المتعمد عن تخليدها مؤشر على انحراف يفوق كافة الانحرافات التي شهدتها البلاد خلال الست سنوات الماضية، ولهذا معناه القوي الذي لا بد أن أنصارها الذين عاشوا أيامها وأسابيعها وشهورها الأولى يشعرون به، بل يحسون بمرارة تجاهل الاحتفاء بهذه الذكرى العطرة في بنغازي والبيضاء وطبرق، بينما تكتسي درنة بحلة الفرح والابتهاج، وكأن أنصار عملية الكرامة أكثر تطرفا من مجلس مجاهدي درنة؟!
 

أكرر القول أن الدلالة تأخذ عمقها وقوتها من خلال التأكيد على أن المدن التي احتفلت بالثورة وبشكل طوعي في المجمل ليست خاضعة لعملية الكرامة، فيما لم تشهد المناطق التي أصبحت تحت سيطرة البرلمان والجيش التابع له مظاهر احتفال يليق بفبراير، ولدرجة أن يصبح الاحتفاء بها مغامرة ومخاطرة تقتضي السرية والتعبير عنها خلسة عبر مقاطع خاصة تنشر على الفيس بوك ولا تظهر وجوه أصحابها خوفا من الملاحقة!!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قوبلت ثورة الليبيين على نظام العقيد معمر القذافي بعنف كتائبه الأمنية. وأدى ذلك لانحياز الجيش للثوار ومؤازرة دولية لهم لينتهي الأمر بعد أشهر بزوال العقيد وحكمه.

الأكثر قراءة