المُتطرف.. وغسيل الدماغ

كيف يمكن لإنسان أن يفجر نفسه في أبرياء؟! أو أن يذبح إنسانا مثله وهو يضحك ويبتسم! كيف يستطيع شخص أن يغير فكر إنسان آخر من الرحمة واللين والإحسان إلى الشدّة والغضب والكره والقتل و و..؟!

كم رأينا من هذه النماذج عجباً! ولكن هل تساءلنا كيف يحدث هذا ولماذا وما السبب؟! القليل يفعل ذلك والأقل من يترجم العلاج الى واقع تربوي بشكل صحيح وجذري نتدارك فيه هذا الواقع المأساوي المتكرر.

بعد بحث ودراسة تتجاوز النتائج والأسباب الثانوية أدركت السبب الجوهري والجذري لهذا الذي يمكن أن أسميه غسل الدماغ، فرغم بساطته وسذاجته إلا أننا نقع فيه كثيراً ولا نلتفت إليه ونكرره في حياتنا بشكل شبه مبتذل…!

ذلك السبب هو (عاطفتنا)! فعندما تكون العاطفة هي المعيار في الحكم على الأشياء ينحسر دور العقل تماماً وينتهي دوره في كبح اندفاع العاطفة وثورتها ويختل التوازن بينهم..
 

الأمة العربية والإسلامية قد أُغرقت بالخطاب العاطفي وأصبح خطاب العقل متهماً، وهذا بدوره جعل الكثير من المواقف في حياتنا مَرهون بالتقييم العاطفي الوجداني، خُصوصاً إذا تشبَّعت (النُخب المثقفة) بهذا الخطاب..

وتعتبر تغذية العاطفة أمراً يسيراً جداً لأن العاطفة تتفاعل مع الموقف الراهن ولا تفكر في العواقب أو النتائج (عمياء) يمكن استثارتها بأبسط المثيرات الوجدانية (الحب، الكره، الغضب، المُقدس، الانتماء، الاحتياجات الفسيولوجية) فالشخص الجائع أعظم شيء يفكر فيه هو أن يشبع والشخص الخائف أعظم شيء يفكر فيه أن يأمن ومن عرف هذا أدرك من أين تُؤكل الكتف ومن أي باب يدخل.

لهذا فالشخص الذي يتحرك بعاطفة بحتة يمكن استقطابه بسهولة؛ وتشكيل ميوله في اتجاه معين؛ ما دام أن عقله مغطى بطبقه سميكة من العاطفة المجردة، ويزيد الأمر استحكاما أن تكون الدائرة المحيطة به والتي تقدم له المعرفة وتجارب الحياة تسير بنفس النسق والاتجاه، مما يخلق جواً يشعره بالرضا والاطمئنان، لذلك عندما تسمع أصواتاً مرتفعة تستثير جوانب وجدانية (عاطفية) في الإنسان، فاعلم أن هناك استجابة ستحدث بأي اتجاه وبأي شكل..

وما دام أن البُنية العقلية لدينا ضعيفة جداً ومحاربة في أحيان أكثر بحجة (العقلانية)، فطوق التخلف قد اكتمل واستحكم في المجتمع، وهنا بمجرد أن يأتي صوت مرتفع وقوي يُحسن استغلال الأحداث واستثمار المواقف واجتزاء الدليل وفبركة الأهداف؛ سيجد شخصاً مغرقاً في العاطفة يستقبله بينما يرى عقلاً عاجزاً غير مُتمرِّس أو مُدرَّب على أي مُحاكمات أو تساؤلات أو نقد أو مراجعات أو ردود وهنا تحدث الاستجابة..

أدولف هتلر.. استغل عاطفة شعب بأكمله بداعي القومية والانتماء والتفوق العرقي. إبليس استدرج آدم وحواء بغريزة حُبِّ البقاء والخلود والمُلك. استراتيجية الإعلان التجاري أيضا تستغل عاطفة الحاجة والخوف عند المستهلكين فتبرزها للمشاهد. الخطيب المتحدث يستغل عاطفة الواقع والحدث وتطلع الجماهير. الداعية الديني يستخدم عاطفة التقديس وهكذا تُصنع الأفكار وتوجه..

وكل استخدام للعاطفة بعيداً عن خط التوازن الطبيعي بين العقل والعاطفة يعد استغلالا سيئا، وهو في الحقيقة توجيه وخطاب منحرف سواءً أدرك من يقدمه أو لم يدرك، وغالباً لا يدرك من كانت الدائرة المعرفية المحيطة به محكمة الإغلاق.

وعند ملاحظة الواقع نجد أن الأمة العربية والإسلامية قد أُغرقت بالخطاب العاطفي وأصبح خطاب العقل متهماً، وهذا بدوره جعل الكثير من المواقف في حياتنا مَرهونة بالتقييم العاطفي الوجداني، خُصوصاً إذا تشبَّعت (النُخب المثقفة) بهذا الخطاب، مما جعل ويجعل وعي الأمة ينقاد بسهولة ويُسر لكل صوت عاطفي يُحسن استخدام هذا المُثير (تارة باسم الدين وتارة باسم القومية أو العرق أو الطائفة أو آل البيت أو الصحابة أو أو) متجاهلاً صوت العقل ونداء الحكمة ومألات الأحداث، وحتى الآن يكفي لتثير حرباً بين طرفيْن أو أن تصنع متطرفاً أن تثير واحداً من هذه القضايا باحتراف فالأمة التي تقرر بعاطفتها لا تفكر ابداً.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اعتبر مقال بـ"نيوز ون" الإخباري أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يواصل جهوده لإحكام السيطرة على فتح من خلال إضعاف خصمه محمد دحلان واستبعاد القيادي المعتقل مروان البرغوثي عن مراكز قيادية.

تواصلت الاحتجاجات البريطانية على دعوة الحكومة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب لزيارة المملكة المتحدة رغم دفاع الحكومة عن قرارها، واعتبارها أن الزيارة تأكيد على العلاقات المتميزة بين لندن وواشنطن.

الأكثر قراءة