الكرة الأرضية تضيق بنا

تساؤلات تراود فكري عن نفسه فتتقاذفني أمواجها الهائجة والتي ليس بوسعي العوم فيها دون أن تجرفني معها إلى شاطئ لا أمان فيه، شاطئ وجدت فيه الإنسانية ملقاة بلا حراك، حتى خِلتُ بأنها قد لفظت أنفاسها الأخيرة، بينما ظلت كفة المبادئ والأخلاقيات تتأرجح وتصارع لكي تبقى على قيد الحياة!

عَبَرْتُ بمخيِّلتي هذا الشاطئ، وأنا أجدِّف بمجاديف الأمل بحثا عن السلام وعن بقعة خالية من الصراعات يتعايش فيها الجميع، فقيل لي إن آدم قد هبط من الجنة فأفيقي من أحلامك البالية فالأرض ليست مستقرا للطيبين وليست مرتعا لأحلام العابرين وبها تقطن الشياطين، فمن أين سيأتي السلام والعالم يهرول نحو نهايته المحتومة ومن أين سيأتي الحب ونوافذنا مغلقة؟

فهل بوسعنا أن ننحدر أكثر بعد كل هذا السقوط الكبير، وبعد أن مات فينا الضمير، وهل سنقتلع جذور

إنسانيتنا كاملة أم أننا سنُبقي بعد كل هذا الدمار بذورا لعلها تبث الأمل جيلا بعد جيل، وفي ظل هذا العالم الذي يعاني من ثقب كبير في قِيَمه والتي باتت فيه الأخلاقيات تصنف كضرب من ضروب الفلسفة..

وبات التمسك والتشبث بها مثالية مطلقة، وسط مجتمع دولي يعصب عينه عن الحقائق ويكتفي بالتعبير عن قلقه الشديد، فأين سنعيش والكرة الأرضية على اتساعها تضيق بنا؟ في خضم واقع بائس تحكمه شريعة الغاب، عالم باتت فيه القيم مجرد أشياء هامشية والغاية تبرر الوسيلة فينهش فيه الأخ لحم أخيه، قطعاً لا مكان للضعفاء في عالم يحكمه الأقوياء، لذا لا تبحث فيه عن العدالة ولا تنهك نفسك بالبحث عما وراء الأشياء، بل ارفع يديك عاليا إلى السماء وقل يا رب نجني من هذا الابتلاء في ظل انعدامية الرؤية السائدة وعصر السرعة الذي لم يُسعفنا لنتساءل ما الذي يحدث وكيف حدث وإلى أين نتجه؟ ومتى سيأتي دورنا، وهل سينهار سقف آمالنا المعقودة على المستقبل المشرق على رؤوسنا يوماً؟
 

لاتقتلوهم فكيف يقتل القتيل مرتين، مرة بموت أحبته ومرة باغتيال طفولته أمامه، لا تقتلوهم فالطفولة لا ذنب لها غير خطايانا، الطفولة طهر الأرض ولون السماء ومعنى النقاء والصفاء.

وماذا سيتبقى من ذاكرتنا الهشة إذا ما تجردنا من قيمنا وتعرّينا من مبادئنا رويدا رويدا، وهل من الممكن بأن ننحدر أكثر لكي نمرغ أنفنا بالتراب قليلا ونعانق الحضيض، فقد جاء عصر الانحطاط وأقبل عصر الفتن، وهل من كلام سيقال أم أن لكل مقام مقال؟ وهل استنفذت لا أخلاقياتنا علاماتها الصغرى وطرقت ناقوس قدوم الكبرى؟ فقد نطق الرويبضة واؤتمن الخائن ووسد الأمر إلى غير أهله، واعترانا الوهن وتفرقنا أشتاتا وكثر الهرج والقتل والمتسترون برداء الدين وتكالبت علينا الأمم، فما الذي نتتظره لكي نفيق من سباتنا؟ وعلى الهامش طفولة ضائعة في أروقة الظلم ونظرات ممزوجة بالخوف والألم تنتظر من ينتشلها من العدم.

أشلاء متطايرة وانتهاكات صارخة لإنسانيتهم وواقع يسرق طفولتهم في وضح النهار، وحسابات لم تطرحهم أو تستثنهم، لا تفاوضوا طفلاً على الحياة، لا تبعثروا ألعابه.. لا تعبثوا بأشلائه! لا تعمِّقوا جراح الطفولة التي كبرت قبل أوانها، ولا تحملوا الطفولة وزر خطاياكم، فلم يعد هناك متسع للأحزان ولا شيء يضاهي انعدام الأمان والإنسانية! ومرارة الفقد، وآلامنا التي تُعرض على شريط الأخبار العاجلة فنبكي ولكن هل ينفع البكاء؟ وعلى رصيف الحزن طفولة تبكي وتنتحب تنادي ولا مجيب.

لا تقتلوهم فهم ما زالوا صغاراً على معانقة الموت، لا تقتلوهم فبراءتهم لن تستوعب أحقادكم، وشفاههم لم تنطق بكلمة فلا تعالجوهم برصاصة، لا تقتلوهم فالطفولة دينهم ومذهبهم! لاتقتلوهم فكيف يُقتل القتيل مرتين، مرَّةً بموت أحبته ومرَّةً باغتيال طفولته أمامه، لا تقتلوهم فالطفولة لا ذنب لها غير خطايانا، الطفولة طهر الأرض ولون السماء ومعنى النقاء والصفاء.

الطفولة حياة لا فناء.. الطفولة بريق آسر لا شلالات دماء، لا تقتلوهم فالطفولة سر البقاء، طفولة تمضي ولا أعلم إلى أين! وقد سدت كل المنافذ للهرب، طفولة سلبت ضحكاتها البريئة وحروب شتى، فقد على إثرها العالم بعد صراع إنسانيته فهل سيأتي هذا العام الجديد بجديد؟!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

توقعت منظمة أطفال الحروب ارتفاع عدد الأطفال اللاجئين بالعالم إلى 63 مليونا عام 2025. وبحسب المنظمة فإن عدد الأطفال المرشحين للانضمام لقائمة اللاجئين يقارب 35 مليونا خلال السنوات العشر المقبلة.

دعت صحيفة تايمز البريطانية قراءها للتبرع لحملة تديرها هي ومنظمة إنقاذ الطفولة البريطانية باسم "نداء الأطفال في الحروب" لمساعدة الأطفال في الموصل وحلب واليمن وجميع المناطق التي عصفت بها الحروب.

قال مؤرخ اقتصاد شهير إن احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة أصبح الآن تهديدا جديا، وإن السنوات التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت شبيهة جدا بمشهد العالم اليوم.

الأكثر قراءة