هوامش على التعديلات الحكومية في مصر

blogs- السيسي
بعد قرابة ثلاثة أشهر من المفاوضات والجدل والأخذ والرد انتهى النظام المصري من إقرار التعديلات الوزارية بإعلان البرلمان موافقته على تعيين 8 وزراء جدد ودمج وزارتي التعاون الدولي والاستثمار، وتعيين 3 نواب لوزير الزراعة ونائب لوزير التخطيط، ورغم ما يبدوا أنه حالة ارتياح داخل أروقة النظام بإقرار هذه التعديلات إلا أن ثمة ملاحظات أساسية تكشفها عملية التغيير سواء في إجراءاتها أو في الوزارات التي دخل عليها التعديل أو بعض الأسماء التي تولت هذه الوزارات.
 

فعلى مستوى الإجراءات، ربما يكون هذا أصعب تشكيل حكومي في عهد السيسي منذ انقلاب يوليو/تموز 2013، ذلك أن مدة التغيير بلغت قرابة ثلاثة أشهر كان الطموح فيها بتغيير الحكومة بأكملها أو معظمها وانتهى الأمر إلي تغيير ثمانية وجوه فقط، نتيجة كثرة الاعتذارات من قبل شخصيات متعددة التقاها شريف إسماعيل رئيس الحكومة، وهو ما يكشف أزمة عدم ثقة لدى الشخصيات العامة والسياسية والتكنوقراط مع النظام الحالي الذي بات معروف أن الوزراء لديه مجرد سكرتارية يمكن التضحية بهم في أي وقت ولا ينالون إلا الهجوم الإعلامي في حالة أي فشل يتسبب فيه رأس النظام المتحكم في كل شيء تقريبا.
 

الأمر الآخر هو ما كشفه ائتلاف دعم مصر في البرلمان من عدم ترحيبه بهذه التعديلات ورغبته في إقرار تغيير شامل للحكومة واعتراضه على بعض الأسماء التي تغيرت في الوزراء أو التي لم تتغير، وهو ما يظهر أن رجال النظام ليسوا على قلب رجل واحد كما يحاول أن يظهر النظام دائما ومن ثم توعدوا بأن يغيروا الحكومة بأكملها في 30 يونيو/حزيران القادم، وهو ما لا نعلم إذا كانت الجهات السيادية التي تقر الأسماء وتعطي التوصية الأخيرة للسيسي ستعمل به أم لا، ففي هذه المرة كانت الحالة الاقتصادية والاختناق الذي وصل إليه الشارع في مصر، كان محفزا لإقرار التعديلات والموافقة على الأسماء المطرحة بغية الخروج من الأزمة الحالية وإبداء أن ثمة وجوه جديدة تم ضخها يمكنها حل الأزمات الحالية، وهي الرسالة الرئيسية المراد توجيها للشارع المحتقن في هذا التغيير.
 

الوزراء " في التعديلات الحكومية الجديدة" جميعهم من التكنوقراط ودون أي لون سياسي، وهو ما يؤكد رؤية السيسي وكراهيته للسياسة ورغبته في وجود "فنيين" أو "سكرتارية" منزوعة "الدسم السياسي".

أما على مستوى التعديلات والأسماء والواردة فيها، فربما جاء أبرزها في تعيين علي مصلحي آخر وزراء التموين في عصر مبارك، ورئيس لجنة الشؤون الاقتصادية في البرلمان الحالي، بدلا من علي المصلحي القادم رأسا من القوات المسلحة والتي احتفى البرلمان به منذ خمسة أشهر، وهو التغيير الذي يعني ضمنيا الاعتراف بالفشل لأحد كبار القادة العسكريين سابقا، في مقابل التأكد أن ملفات حرجة كالتموين تحتاج لأحد رجال عصر مبارك العالمين ببواطن أمور البيروقراطية المصرية ودولاب الدولة الحقيقي والعميق، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح بتكليف مصلحي من قبل جهات سيادية حسبما صرح بنفسه.
 

ورغم ما أحدثه رجوع واحد من أبرز وزراء عصر مبارك لوزارة السيسي، إلا أن شكل التعيينات الأخرى لا تخلوا من دلالات هامة فالوزراء جميعهم من التكنوقراط ودون أي لون سياسي، وهو ما يؤكد رؤية السيسي وكراهيته للسياسة ورغبته في وجود "فنيين" أو "سكرتارية" منزوعة "الدسم السياسي" وهي أسماء تنوعت ما بين سيرة ذاتية ذات شكل براق كوزير التعليم الجديد طارق شوقي، وما بين وزير متهم في قضايا فساد كوزير الزراعة حسبما نشرت جريدة صحف قريبة من الجهات الأمنية في مصر، وهو ما يعني أن مسألة أن يكون الوزير بلا "طعم سياسي" وموافق عليه من الجهات الأمنية، ومن وراءها السيسي، هي أهم الشروط لوقوع الاختيار على الوزير الجديد.

وكان دمج وزارتي الاستثمار والتعاون الدولي أمر غير مفاجئ نظرا لأداء سحر نصر وزيرة التعاون الدولي التي استطاعت مساعدة النظام في الحصول على قروض ومنح متعددة فضلا عن خبراتها السابقة في البنك الدولي وحسن تعاملها مع الصحفيين والنواب في البرلمان، فضلا عن رغبة النظام في إظهار أنه قادر على تقليل إجراءات البيروقراطية ومن ثم تقديم مزيد من التهيئة لمناخ جاذب للاستثمار.
 

أما على مستوى الأسماء التي أبقيت فكان اللافت هو بقاء وزير الصحة في منصبه بعد أزماته المتعددة مع نقابة الأطباء والصيادلة، واستمرار أزمة ارتفاع أسعار الدواء، فضلا أن التغيرات جاء أغلبها مُنصبا على الوزارات الخدمية ومن المفترض أن الصحة من بينها.
 

على أية حال، رغم هذه الهوامش ومحاولة النظام الخروج من مأزقه الحالي ببعض التجميل الشكلي، إلا أن الأزمة في مصر لم تكن يوما بسبب الأشخاص ولكن بسبب السياسات ونظام الحكم وطريقة إدارة الدولة نفسها، فالدكتاتورية متحكمة ومتغلغلة في جسد المجتمع والدولة، والمشاكل معقدة بشكل يصعب التوقع بالتغلب عليه بتغيير أشخاص هم في نهاية الأمر "طاقم سكرتارية" بدرجة وزراء، لم تنجح أية وزارة في عصر السيسي في إحداث أية انفراجة اقتصادية أو سياسية، بل استمر الفشل في مصر الواحد تلو الآخر ذلك أن الديكتاتور المتحكم مازال يقبع على رأس السلطة والمعتقلين بالآلاف والظلم ينخر في جسد المجتمع والناس، وبالتالي لا ثمة جديد في الأفق، وتبقى مثل هذه التعديلات وسيلة لاستخلاص الدلالات عن حال النظام وطريقة حكمه ليس أكثر، فهذا نظام لا يؤخذ على محمل الجد ولا يتوقع منه إصلاحا.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان