حديث للإخوان ولكارهي الإخوان

blogs - ikhwan

في حديثي منذ أيام قليلة مع أحد المنتمين لجماعة الإخوان بمصر وجدت، صورة مليئة بالأمل والتفاؤل والثبات والتلاحم والتراحم تختلف كثيراً عن الصورة التي يصورها بعض المسئولين والمنتسبين للإخوان في الخارج الذين آن الأوان أن يراجعوا أنفسهم مرة ومرات، إن لم يكن من أجل وطنهم أو دعوتهم، فمن أجل أنفسهم التي نسوا أنهم محاسبون عليها وإن لم يعودوا فسيندمون.. ولات حين مندم.
 

لم أشرُف بالانضمام للعاملين بجماعة الإخوان المسلمين، وذلك على الرغم من قربي من الكثير من أعضائها بحكم عملي الإعلامي (سابقاً) في قناتين محسوبتين على قنوات المعارضة، ولا أنكر أنني خلال تجربتي القصيرة معهم كنت ناقداً متحاملاً على الكثيرين منهم -وما زلت- خاصة الذين يكثر ظهورهم في وسائل الإعلام أكثر من ظهورهم في فروض الصلوات حيث يتسابقون في الظهور فيما يسمى بقنوات المعارضة (الشكلية) وأنا لا أحب تسمية "قنوات الشرعية" حيث لا نجد مفهوم واضح للشرعية عند أي من هذه القنوات -وهذا حديث آخر سأكتب عنه لاحقا-.

أدرك الآن وبكل اقتناع أن ما يدور في فضاءات التواصل الوهمي أو حتى على شاشات التلفزة من الجانبين ما هو إلا عملية خداع كبرى ممنهجة، وأن الحقيقة الجلية والتي يدركها كارهوا مصر أكثر من إدراك أبنائها هي أن "جماعة الإخوان المسلمين" مازالت قادرة وبكل سهولة على اجتياز المحنة التاريخية التي تتعرض لها والتي حيكت لها ببراعة وتعاونت فيها قوى الداخل والخارج، وخارج الخارج. بل وعلى العكس ستعود أكثر قوة وصلابة واستعداداً لظروف ومحن قادمة لا محالة، ولكن بشرط أن تتخلص من الراديكالية التاريخية التي تبنتها خلال العقود الأربعة الأخيرة والتي سمحت بوجود لبنات غير مطابقة للمواصفات أحدثت شروخا وفجوات في بناء الجماعة.

لا بد أن يعمل الفرقاء على إيجاد بيئة سياسية متنوعة، تختلف نعم.. تتشاحن ..نعم ..تتباغض جائز، لكن يظل المعيار الأول بينها هو مصر والمصلحة العليا للدولة وللأمة والتي لن تتحقق إلا باحترام كل مواطن والسعي لإعطائه كافة حقوقه.

وعلى الرغم من متانة الأساس وصلابته، إلا أن عوامل الضعف والوهن وتقلبات الزمن تستلزم من العقلاء منهم حتى تعود الجماعة، أن يقوموا بعملية أشبه بعملية هندسية فيها من الترميم وتثبيت الدعائم ومعالجة التصدعات ما فيها.

لكن هذه العودة يجب أن تكون في صالح مصر أكثر من كونها في صالح الجماعة، إذ أن استهداف الجماعة لم يكن المقصود به فقط هو كيان الجماعة بقدر ما كانت مصر هي المستهدفة .وفي ظل حتمية عودة الجماعة سيحاول المنقلبون أن تعود الجماعة للجماعة فقط، وستكون وسيلتهم في ذلك إذكاء روح العداء والتباغض الشديد والشقاق ورغبة الثأر عند الكثيرين، وهذا أصعب ما يواجه الجماعة في محنتها، وأصعب ما يؤرق حكمائها.

حالة كتلك هي كبرى مغانم الانقلابيين التي يغذون جذوة نارها يوما بعد يوم، لا المعاهدات المشبوهة، ولا الحالة الاقتصادية المتردية، ولا الانتكاس الاخلاقي والتعليمي ستستمر إنما هو الشقاق الذي من الممكن أن يقضي على أي أمل في العودة للطريق الصحيح.

وعلى الرغم من دعوات التفاؤل التي تتحدث عن كسر الانقلاب العسكري في مصر، إلا أنني أحب أن أفرق كثيرا بين كسر الانقلاب -وهو ما يحدث من اليوم الأول بصمود المعارضين- وبين إنهاء حالة الانقلاب التي لن تنتهي قبل سنوات من التصحيح والإحلال والتبديل في البنية الفكرية الدعوية والقراءة السياسية لخارطة القوى وتحديد وتحديث آليات التعامل مع قواعد اللعبة الدولية دون خروج عن الثوابت ولا عن المصلحة العليا لدولة بحجم مصر.

كما أنه لا بد أن يعمل الفرقاء على إيجاد بيئة سياسية متنوعة، تختلف نعم.. تتشاحن ..نعم ..تتباغض جائز، لكن يظل المعيار الأول بينها هو مصر والمصلحة العليا للدولة وللأمة والتي لن تتحقق إلا باحترام كل مواطن والسعي لإعطائه كافة حقوقه مهما اختلف لونه السياسي أو انتمائه العقدي للإخوان ولكارهي الإخوان أقول :" إن مصر تسع الجميع، وفي كل يوم يمر في ظل هذا الانقسام تظهر عواقب وخيمة لن تستثني أحداً، وها هي المصائب تترى ليس على فصيل واحد بل اتضحت معالم الصورة السوداء التي تنتظر مصر الدولة وأبنائَها وحدودَها وثرواتِها وعقيدتَها ومكانتها.

لهذا وجب الآن وليس بعد ساعات من أن يلتقي الجميع لاجتياز محنتهم، ويكونوا معاً من أجل ما تبقى من مصر.
 

يقول الدكتور محمد الجوادي"إن حياتنا تتطلب مراجعة دقيقة لكل ما مضت إليه، لا لتجنب تكرار ما حدث من خطأ، ولا بنية الإكثار مما حدث من صواب، ولكن قبل هذا وذاك بنية معرفة طريق الخطأ وطريق الصواب" فهل يوجد فينا من يمكنه اتخاذ الخطوة الأولى الأصعب في لم شعث الفرقاء من المصريين ليقطع الطريق على أعداء الأمة الذين تكالبوا عليها عندما بدأت تسير في طريق الديموقراطية والشرعية؟