عن "صراحة" بصراحة

بصراحة، العنوان لا يرتبط كثيرا بمضمون التدوينة.

بدا أن الكثيرين من مستخدمي الانترنت قد أنشأوا حسابات لهم على موقع صراحة، وهو موقع انتشر مؤخرا يتيح لأي مستخدم عادي توجيه رسالة لك دون أن تتعرف عليه أو أي من معلوماته الشخصية، وهو يملك الحرية الكاملة في كتابة الرسالة التي يرغب بها مهما كان محتواها إيجابيا أو سلبيا.

بالمقابل ظهر معارضون ومهاجمون للموقع وفكرته واعتبروا ذلك تدخلا واضحا في الخصوصيات ويمكن استخدامه كمنصة للتهديد والتحرش والشتم واعتبروا أن سلبياته كثيرة جدا ولا يمكن تقبلها أبدا، بعض المهاجمين زادت حدتهم قليلا لتطال مستخدمي الموقع أنفسهم، هؤلاء المعارضون أو المنتقدون لديهم وجهات نظر جيدة ومُقدّرة ومقنعة أيضا في كثير من الأحيان.

لسنا هنا لمناقشة فكرة الموقع وسلبياته وإيجابياته فأنا لم أنشئ حسابا هناك ولا أفكر حتى الآن، ولكننا نتحدث عن فكرة "الأبيض والأسود" في حياتنا اليومية، حيث لا يوجد حل وسط ولا نقطة التقاء بين المختلفين.

المستخدمون للموقع اعتبروا أنه منصة لإهداء العيوب وتوجيه الانتقادات البناءة وتعزيز التواصل بما يخدم الأفراد من خلال دعمهم وتوجيههم ومساندتهم وإبداء الملاحظات على أعمالهم وطريقة إدارتهم لمؤسساتهم، فهو يضع "اليد على الجرح" على حد تعبير واحد من أنشط مستخدميه، لكن الطرف الآخر يرى أن الاهتمام بآراء الناس غير مهم وأن الذين يحبونك سوف يوجهون لك ملاحظاتهم وانتقاداتهم مباشرة دون الاختباء خلف شاشات أجهزتهم المحمولة، وأن أولئك الذين يملكون ملاحظات حقيقية سيجدون طريقة لإيصالها لك دون الحاجة لإخفاء أنفسهم وشخوصهم بشكل تام.

الطرف الأول والطرف المعارض له لديهم من الأسباب ما يكفي لتبلور قناعاتهم حول الموقع وكلٌ يملك قاعدة تقوّي موقفه وتساهم في دعم وجهة نظره المؤيدة أو المعارضة، ولكن المشكلة تكمن في أن كثيرا من المؤيدين والمعارضين كانوا بكل بساطة إما مع الموقع أو ضده دون التفكير بتطوير أو تحسين أو حتى توجيه رسائل تجعل من الموقع مفيدا أكثر أو تقلل من أضراره المحتملة.

نحن لسنا هنا لمناقشة فكرة الموقع وسلبياته وإيجابياته فأنا لم أنشئ حسابا هناك ولا أفكر حتى الآن، ولكننا نتحدث عن فكرة "الأبيض والأسود" في حياتنا اليومية، حيث لا يوجد حل وسط ولا نقطة التقاء بين المختلفين، فكرة أنني يجب أن أقف في أحد الجانبين دون التفكير بأن الأمور خاصة في عصر الانترنت والفضاء الإلكتروني باتت حمّالة أوجه وفيها من الاختلاف ما يسع الجميع دون استثناء.

والسؤال الأهم هل يجب أن نبدي اعتراضنا أو موافقتنا على كل شيء؟ بمعنى هل يجب أن تكون لنا مواقف واضحة ومنشورة في كل القضايا التي تثار سواء جربناها أو لا؟ هل نحن بحاجة بالفعل لتبني وجهة نظر في كل ما يتم تداوله في هذا العالم الافتراضي رغم وجود الكثير من الأمور والقضايا الجوهرية التي تحتاج للتفصيل والنقاش والانتقاد وحتى المهاجمة في بعض الأحيان؟

هناك مساحة جيدة من الحرية تجعلنا غير مضطرين لوضع الأشياء في خانة "الأبيض والأسود" أو "الصح والخطأ"، هذه المساحة تعطي الحق للكل بلا استثناء بأن يتبنوا وجهة النظر التي يروها صحيحة ويحق لهم استخدام أو ترك ما يرونه مناسبا لهم دون إبداء الأسباب وطرح المبررات طالما أن استخدامه وعدمه لا يضر بأحد ولا يؤثر سلبا على الآخرين.

نحن بحاجة لتخطي حاجز اللون الواحد والاختيار الواحد والحكم الواحد والانتقال لمرحلة تقبل أفكار واقعة في المنطقة الوسطى من أجل التوصل لنقاط التقاء دون الحاجة للدخول في جدليات مرهقة للأنفس ومعطلة للجهود ومحرقة للأوقات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة