الإخوان المسلمون وإشكالية المسارات!

يقول العديد من المهتمين بالشأن المصري، بأن الوضع المأزوم لجماعة الإخوان المسلمين – خارجيا وداخليا – يعود إلى قرار الجماعة بخوض انتخابات الرئاسة عام 2012، أي ما بعد ثورة يناير، إلا أن السبب الجوهري لهذه الأزمة كان قبل ذلك بعام ونصف تقريبا، وهو: التحول المحوري في خط سير الجماعة المستقر منذ نشأتها عام 1928، أي بقرار مشاركة الإخوان المسلمين في الثورة على نظام حسني مبارك، والذي كان بالضرورة إعلانا صريحا بترك الجماعة المسار الإصلاحى وانتهاج المنهج الثوري في التغيير بما يحتويه من مخاطر.

في البداية، كان في المسار الإصلاحي مصلحة للنظام العسكري، فقد استخدم العسكر الإخوان لهدفين رئيسيين، الأول هو: استخدامهم كفزاعة للغرب، إذا ما لوح بفرض النظام الديمقراطي، بحجة أن الإخوان سوف ينقضون على مقاليد الحكم في أول انتخابات حرة. وقد بدا هذا واضحا في انتخابات مجلس الشعب عام 2005، عندما فاز أعضاء الجماعة بعدد 88 مقعدا في المرحلة الأولى فقط! مما يؤكد أنهم سيفوزون بالأغلبية الكاسحة بعد الإنتخابات بمراحلها الثلاث. عندها أومأ الغرب للنظام المصري بالتدخل لوقف هذا التقدم، وذلك بممارسة دورهم المعهود في التزوير، وقد كان! 

استطاعت الجماعة في بعثها الثاني، أي بعد المرحلة الناصرية، أن تنمو وتزدهر – رغم التضييقات الأمنية – حتى ملكت غالبية الشارع المصري، مما أهلها للعب الدور الرئيسي في ثورة يناير، ثم الفوز بخمسة استحقاقات انتخابية، توجت  برئاسة الجمهورية.

الهدف الثاني هو: خلق حالة من الصراع الفكري داخل المجتمع المصري، فلا يستطيع اتجاه فكري واحد أن يسيطر على عقول الجماهير لصالحه، وإنما تثار في الإعلام قضايا هامشية أو غير ذلك ولكنها تتعلق بالدين، فيهب التيار الإسلامي وعلي رأسه الإخوان للدفاع عنه (أى الدين)، فيقوم بدورهم اليساريون و العلمانيون بالهجوم المضاد! وهكذا في حلقة مفرغة لا يستفيد منها سوى نظام يستأثر بمقدرات الوطن وبتقرير مصير المصريين.

رغم ذلك فقد كان للمسار الإصلاحي فائدة أيضا للجماعة ذاتها، فبعد الضربات القاتلة التي وجهها النظام العسكري بقيادة جمال عبد الناصر للجماعة، والتي فقدت علي إثرها أكثر من تسعين بالمئة من كوادرها! إما قتلا أو تشريدا أو غير ذلك باستخدام وسائل إرهاب الدولة، ولم يبق في مطلع السبعينيات غير عدد قليل ممن يحملون الفكرة، فكان لا بد من مهادنة النظام، والأخذ بالمسار الإصلاحي لتجنب المواجهة، والتفرغ لبناء الصف من الداخل. 

أما بالنسبة لقوى الوصاية الغربية والتي يتبعها النظام العسكري في مصر، فقد كان وجود الجماعة بمسارها الإصلاحي فيه أيضا مصلحة مباشرة لهم، وذلك تماشيا مع سياسات الغرب المعروفة "فرق تسد"، فكان لابد من طرف قوي آخر يلعب دور النقيض في مواجهة العسكر؛ ليسمح لهم بدعم طرف ضد آخر لإنهاك الطرف القوي، ثم العكس، وهكذا حتي تكون الدولة في حالة من الضعف يجعلها تحت سيطرة قوى الوصاية تلك!

استطاعت الجماعة في بعثها الثاني، أي بعد المرحلة الناصرية، أن تنمو وتزدهر – رغم التضييقات الأمنية – حتى ملكت غالبية الشارع المصري، مما أهلها للعب الدور الرئيسي في ثورة يناير، ثم الفوز بخمسة استحقاقات انتخابية، توجت بالفوز بمقعد رئاسة الجمهورية. ولكن كان كل هذا ضمن المسار الإصلاحي، والذي يعني بالضرورة اللعب تحت سمع وبصر وسيطرة النظام العسكري ومن خلفه قوى الوصاية الغربية، مما يعني أيضا حرمان الجماعة من أدوات التأثير الحقيقية مثل السلاح أو تكوين أجهزة أمنية أو حتى أدوات إعلامية تستطيع حشد الرأي العام.

الخلاصة: أن قرار الجماعة بالمشاركة في الثورة كان "الحالقة"؛ لأنه كان خروجا عن الخط الأحمر، أي الخروج عن المسار الإصلاحي، والذي استوجب العقاب ممن يملكون أدوات السيطرة داخل الدولة، وداعميهم الإقليميين، والغرب ممثلا في أمريكا والاتحاد الأوروبي. وأبدا لم يكن الامتناع عن المشاركة في انتخابات الرئاسة عاصما للجماعة من العصف بها على يد الرئيس الشرعي المنتخب عدو الثورة الأول "أحمد شفيق" – في حال تخلي الإخوان عن تقديم مرشح للرئاسة -! وساعتها لم يكن ليكون هناك انقلاب مأزوم في شرعيته مثل انقلاب السيسي، بل رئيس منتخب ذو شرعية، وقرارات شرعية رغم كل ما بها من قتل وتنكيل!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تهكم السويديون على الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد تصريحات قال فيها إن بلدهم تعرض لاعتداء أمني كبير الجمعة الماضي جراء فتح أبوابه للمهاجرين، وهو اعتداء لم يحدث أبدا.

قال وزير النفط العراقي جبار اللعيبي إن التقديرات الجديدة لاحتياطيات العراق النفطية تبلغ 153 مليار برميل بدلا من 143 مليار برميل، وأضاف أنه سيطلب من منظمة أوبك اعتماد الرقم الجديد.

الأكثر قراءة