سنلعب بأحمد فتحي في المباراة القادمة كمهاجم صريح، كان هذا أول رد فعل رسمي من الجمهور المصري بعد إصابة مهاجم المنتخب مروان محسن في قمة الشمال ضد المغرب. لا توجد مشاكل طالما فتحي موجود، الجوكر الذي يستطيع اللعب كقلب دفاع وظهير أيمن وظهير أيسر، ولاعب ارتكاز دفاعي وآخر مساند وحتى جناح هجومي في بعض المباريات، إنه الحالة الكروية الفريدة من نوعها، التي لا تقل أبدا عن تجربة عصام الحضري وسنه الكبير مقارنة بأي لاعب آخر في أفريقيا.
يمكن لأي مدرب وضع مهاجمه كمدافع أو المغامرة بصعود قلب الدفاع في خانة الهجوم، هذه أمور نشاهدها كثيرا في ملاعب أوروبا، لكنها تحدث لعدة دقائق فقط في الأوقات الحاسمة، وفي الأغلب تندرج هذه التجربة تحت مسمى المغامرة قصيرة الأجل، لكن شمولية أحمد فتحي فكرة جديرة بالدراسة والرصد، لأنه يؤدي جيدا في كافة المراكز المختلفة، ويقدم نفسه كحل دائم وليس مؤقت في أكثر من مكان داخل الملعب.
تحدث عراب التكتيك أريغو ساكي في حوار قديم مع الصحافي باولو بانديني، عن نوعية اللاعبين الذين يشبهون فتحي قائلا، "قتل التخصص جانب من إبداع هذه اللعبة، هل المدافع يجب عليه أن يركز فقط على رقابة مهاجم الخصم أم يكون له دور في الجانب الدفاعي للفريق ككل؟
لينطلق إلى جانب خططي آخر مهم يندرج تحت فكرة تبادل المراكز والتحول من مكان لآخر داخل الملعب، ويؤكد من خلال خبرته أن الجمود التكتيكي هو السائد في السنوات الأخيرة، وأكبر دليل على ذلك زيادة النقاشات حول ما إذا كان هذا اللاعب جناح أم لاعب وسط صريح أم ارتكاز دفاعي، إنها أسئلة تعبر بإيجاز شديد عن الأزمة الناتجة عن تفصيل كافة مراكز اللعب، لدرجة أن منطقة الوسط أصبحت مقسمة إلى ثلاث وأربع وظائف.
| لم تعد هذه النماذج موجودة كثيرا الآن، لدرجة أن الجمهور نفسه ضاق ذرعا بوضع روبرتو لاعب برشلونة كظهير أيمن، لكن ربما ما يقدمه أحمد فتحي حاليا مع ناديه ومنتخب بلاده أمر أشبه بالانتفاضة الجديدة للشمولية الفردية |
لاعب مثل فتحي يمثل الجانب المقابل للتخصص، ويمثل الشمولية في أقوى صورة لها، حيث أنه يجيد اللعب في مختلف مراكز الملعب كدور رئيسي وليس مجرد عامل مساند، لذلك استخدمه حسام البدري مدرب الأهلي كلاعب وسط صريح في القمة المصرية، ونجح في التفوق على نجوم هذا المركز من الأساس كطارق حامد ومعروف يوسف وحتى زميله حسام عاشور. وأعاد كوبر نفس المسار في بطولة أفريقيا لكن بوضع لاعبه كظهير أيسر، ليقدم أداء لا يقل بل يزيد مقارنة بما قدمه محمد عبد الشافي.
الجدير بالذكر أن ظاهرة فتحي ليست مقتصرة على الملاعب المصرية والأفريقية، فخبراء التكتيك يهتمون دائما بهذه النوعية من الأسماء، ورصدت مدونة "الوهمي 9" الإنجليزية جزء قديم من تحليلها للحديث عن هذه الظاهرة الكروية. وقتها كتب المحلل دافيد وايلد في عام 2013 عن موت اللاعب الشامل وخص بالذكر بعض الأمثلة المشهورة محليا وقاريا.
لعب واين روني في أكثر من مركز هجومي، في العمق وعلي اليسار وعلي اليمين، لاعب الطواريء الذي يلعب أينما وجد الخلل، لكن في النهاية، تحيد هذه النوعية من اللاعبين بشكل أكبر في مكانها الأساسي فقط. من الممكن أن تفيدك في أكثر من مركز آخر لكن ليس بنفس الجودة، هي مجرد خيارات طارئة، ولا نطلق عليهم اللاعب المهاجم المدافع، أو المدافع المهاجم، ويبقى السؤال هل هناك تلك النوعية من الأساس؟
للإجابة على هذا السؤال الصعب، علينا العودة سنوات إلى الخلف، حتى نصل إلى بول وارهارست، اللاعب الانجليزي الذي مارس الكرة امن سنة 87 حتي 2007، 20 سنة كاملة في كل مكان بالملعب، وشارك مع أكثر من نادي إنجليزي. هو لاعب غير معروف بشكل كبير مثل بقية النجوم، لكنه يمتاز بشيء مهم، أنه لعب كمدافع ولاعب وسط ومهاجم أيضاً في مسيرة طويلة، هذا هو نموذج اللاعب الشامل في كرة القدم.
نموذج أشهر وأوضح للاعب الشامل، لويس إنريكي المدرب الحالي لبرشلونة، لوتشو عرف بالحرباء، لأن الحرباء قادرة علي التلون والظهور بأكثر من شكل، أما لويس فكان قادرا علي شغل كل المراكز، لدرجة أنه خلال مباراة برشلونة وباناثينكوس في دوري أبطال أوروبا 2002، تمركز الرقم 21 لعب كمهاجم متقدم، ثم انتقل إلى مركز الجناح الأيسر، ثم الارتكاز الصريح، وفي نهاية المباراة كظهير دفاعي.
لم تعد هذه النماذج موجودة كثيرا الآن، لدرجة أن الجمهور نفسه ضاق ذرعا بوضع روبرتو لاعب برشلونة كظهير أيمن، لكن ربما ما يقدمه أحمد فتحي حاليا مع ناديه ومنتخب بلاده أمر أشبه بالانتفاضة الجديدة للشمولية الفردية، من نجم ينقصه فقط اللعب كمهاجم صريح أو حارس مرمى!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

