عن الثـورة والتضحية

blogs - ثورة الشعب
عندما نتحدث عن ثورة قد يتبادر للذهن الجمعي مشهد ما بعد الربيع العربي الذي خلف ركاما من الدول العربية، لكن هذه ليست الحقيقة من الثورات، وليست الأهداف التي خرج لها الشعب، لقد خرج لأهداف نبيلة، وتستحق التضحية لأجلها.
إن الثورة ليست هذا الدمار، ولا هذه التلال من المباني المهدمة، الثورة معانٍ وإن دمار هذه المباني لا يعني شيئا أمام تدمير العقل الجمعي الذي يربط دمار الأمم بدمار مبانيها، إن الدمار الحقيقي هو دمار العقل الذي أصبح خانعاً لا يفكر، ولا يبحث له عن مناص يخرجه من الانقياد إلى القيادة.

لقد سجل هذا الجيل تاريخاً جديداً في دفاتر الزمن، جيداً كان أم مدمراً إنه تاريخ. إن التاريخ ليس إلا حدثاً ما، يقوم به فرد، أو مجموعة من أجل إحداث شيء ما. نجح مرادهم أم فشل سيبقى تاريخا في كل الحالتيين، إن الثورات ماهي إلا هذا الحدث الذي قام به جيل العشرية الثانية من هذا القرن.

إن الذين خرجوا في مقدمة الصفوف، أو مؤخرتها في شوارع وميادين المدن الثائرة من أجـل المطالبة بحق الكرامة؛ كانوا لا يبالون لأنفسهم، ولا يكترثون لحيواتِهم، إنهم مُضحُون فقط لأجل الآخرين.
تخيل أن شخصا أضرم في جسده النار لأنه كان في لحظةٍ ما؛ من ساعات حياته الأخيرة يظن، بل اختار أن يضع حداً لهذه الحياة بدلاً من العيش الذي لا يشبهُ كإنسان.

كان يرى كذلك أو خُيل لي أنه كان يرى أن يضع حدا لهذه المأساة، ثم مجموعة من الشباب، والشابات والشعب بأوسع تعبير يخرج في الشوارع للمطالبة بحق عيش كريم، أو بحياة إنسانية. إن هذه المجموعة التي خرجت في شكل جُموع لا تختلف كثيراً عن الشخص الأول الذي أضرم في جسده النار لأنه كان يرى أن الموت أهون عليه من هذه الحياة، عدم الاختلاف في هذا أن أي شخص من المجموعة الثائرة في هذه اللحظة أن تُضرم النار في جسده، ويلقى مصيره، أو حتفه، وكل واحد في هذه المجموعة كان يظن هذا، يظن أنه سيموت في أي لحظة اشتباك بينهم وبين مجموعة الجيوش التي ستدافع عن الرئيس الذي سلب حيوات الناس، وحرياتهم ومنعهم من العيش الكريم. أو كان بإمكان هذه المجموعة أن تلقى مصرعها جميعها بأمر من القصر الذي ثاروا ضده، وهذه هي لحظة التضحية، بل اعتبرها قمة التضحية، لا توجد تضحية أكبر من إنهاء حياتك لأجل الآخرين، هذه اللحظة لا يمكن لأحد أن يتصورها إلا الذي قام بها، وبما أنه قد فارق الحياة لا يمكن لنا أن نعرف عن هذه اللحظة شيئا.

ازدادت نسبة الوعي السياسي بين كل فئات الشعب، وهذا بدوره أدى إلى التفاعل الجماعي بين مكونات الشعب بكل القضايا السياسية.

إن ما قام به الذين قُتلِّوا في اللحظات الأولى من خروج الجماهير إلى الشوارع، والمياديين كانوا يعلمون أنه ليس خروجهم لأنفسهم، بل من أجل ملايين، وأجيال قادمة، ولا حتى كانوا يعلمون متى ستحق تضحياتهم أهدافها السامية من أجل الحرية والكرامة، والعيش الإنساني، فقط ضحوا لأجل هذه الأهداف دون كتابة زمن تحقيقها. وهذا سيجيب عن الأسئلة القائمة اليوم، والتي يقولون فيها هل حققت الثورات أهدافها؟

من مثل هذه الأسئلة لا يطرحها إلا الجُبناء الذين لا يستطيعون التضحية من أجل غيرهم، ولا حتى من أجل أنفسهم، أو لا يعرفون أصلاً ماهية التضحية، وما قيمة التضحية، إن أسئلتهم تنُم عن جهلهِم، وعن خواهم المعرفي، يحاكمون الموتى الذين ضحوا بحياتهم من أجل غيرهم في تضحيتهم.

إن من يناير 2011 إلى اليوم 6 سنوات قد مضت من عمر الثورات، كانت ستكون سنوات يغاث فيها الناس بالحرية، والكرامة، والعيش الإنساني لولا انقضاء دعاة الثورة المضادة عليها، فحولوها إلى سنواتٍ عِجاف، زرع فيها شباب أعمارهم تحت الأرض لتثمر لغيرهم لكنها لم تنبت بعد، بسبب أفعال الجبناء الذين لا يعرفون قيمة التضحية، أو ما سُميوا بأعداء الثورة، أو الثورة المضادة، لقد انقضوا على آمال الشباب، بل جيل بأكمله، ثم يحاكِمون الثورات بالمصير الذي آلت إليه بلدان الثورات، لكنهم لا يتذكرون أن الشباب الذين زرعوا أرواحهم من أجل هذه الثورات ستنبت، مهما تأخر خريفها، إن البذرة الصالحة تنبت بعد عشرات السنين ولن يصيبها السوس، إن هذه البذرة لحياة هؤلاء الشباب، والشابات، وستنب، وسنستظلها، ونقضي فيها حياة أفضل بكامل الحرية، والكرامة، والعيش الإنساني.

إذن ما الذي حققته الثورات حتى الآن؟
1- ازدياد الوعي السياسي: لقد ازدادت نسبة الوعي السياسي بين كل فئات الشعب، وهذا بدوره أدى إلى التفاعل الجماعي بين مكونات الشعب بكل القضايا السياسية.
2- ترسيخ فكرة التغيير: قبل هذه الثورات كانت فكرة ثورة بدورها لتغير الحاكم كأنها فعل أسطوري، لا ينتمي إلى الواقع. الآن أصبح هذه الشيء اعتياديا، وقريب جداً، أو ربما بات أقرب الحلول لدى كل الشعوب. وقد يحدثك رجل الشارع العادي في شأن السياسة وسيدعيك لفعل الثورة للتغيير.
3- ارتفاع حجم الطموح: لقد ارتفع حجم الطموح في عملية ربط النهضة بالتغيير، وأغلب عمليات التغيير التي تُحدث نهضة شاملة وسريعة هي الثورة.
4- المعرفة: لقد حصل تحول كبير في الجانب المعرفي لدى هذا الجيل بعد الثورات للاتجاه العام نحو المعرفة.

هذا أهم ما أنتجته الثورات حتى الآن، وإن كان الهدف هو تحول شامل في جانب الحقوق والحريات، ويتبعه الجانب الاقتصادي؛ إلا أن عملية الارتداد على الثورات أخرت التحول الشامل وزادت من الوعي.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان