للأسف، حتى جدتي لا تُصدّق أحيانًا بأن الكثير من أفكارها تُدرّس اليوم في الجامعات، لدرجة أنها قد تخجل من الحديث في بعضها، ولولا إصراري على جدّتي لما حدّثتني مثلاً كيف كانوا يصنعون الوقود من روث البقر، كبديل طبيعي يصنعونه بأنفسهم ويرون نجاعته بأنفسهم، بل ويتنافسون عليه أحياناً، ولو سألت العديد من خريجي كليّات الهندسة عن كيفية الاستفادة من "روث البقر" في حل مشاكل الطاقة لضحك منك، فما أكثر من يجهل مدى استثمار مراكز الأبحاث في مجال "الفحم العضوي" و"الغاز الحيوي" من النفايات العضويّة مثل "روث البقر".
| بينما نحن نتخيّل أن الحلول كُلها تكون من قِبل الحكومة، أجدهن -جداتنا- يبدأن بأنفسهن وبالحلول البسيطة التي يُمكن لأي إنسان القيام بها. |
في مجال الإدارة البيئية، وعند الحديث عن استراتيجيّات مُعالجة نضوب الموارد الطبيعة، فإن أسلوب حياة جدّاتنا يُعتبر أفضل بكثير من نمط حياتنا الاستهلاكي الاستبدادي، فنحن نرفض أصلاً من لا يُشبهنا في استهلاكيّتنا النهمة، ولربما نعتناه بالتخلّف حتى يخضع، فمُتخلفٌ من يرتدي الثوب عامًا بعد عام حتى يبلى، ومُتخلف من يحتفظ بالأكياس البلاستيكية والعُلب كي يستخدمها مرّة أخرى بدلاً من رميها، والأكيد الأكيد أن من يرى كُل هذا تخلفًا لن يكون قادرًا على فهم جدّته إذا قررت أن لا ترمي قشور البطيخ لتصنع منه مُخللاً لذيذًا.. مع أن هذا كلّه مطلوب ولو كُنا نُطبقه في بلادنا لما وجدنا بعض مُدننا تغرق بالنفايات عامًا بعد عام!
كل هذا الإرث يكاد يكون نسيًا منسيًا في بلادنا العربية، بينما تجده في أوروبا الوسطى موضة العصر عند المُهتمين بالبيئة وحمايتها، وهم أكثر تطبيقًا لأفكار جدّاتنا منا، ومن بين الأفكار التي وجدتها تنتشر بشكل مميز في ألمانيا، هي فكرة "وعاء حفظ مياه الأمطار" -بالألمانيّة Regenwassertank- وذلك من أجل استغلال المياه في ريّ المزروعات وتنظيف ساحة المنزل كما أن الفكرة مُهمة لمنع حصول "فيضانات" بسبب المياه المُتجمعة على الأسطح، والأطرف من كُل هذا أنني لم أجد أحدًا يُطبق هذه الفكرة بين كل معارفي غير جدّتي "خضرة" رحمها الله!
لست أبالغ لو قُلتُ أنني لا أتذكّر أحدًا في الجامعة، كما أتذكّر جداتي، صحيح أن النظريّات التي تدرّس أعقد بكثير من حكاياتهن، ولكن من الناحية التطبيقية العمليّة، أجدهن الأفضل في تطبيق التقنيات والوسائل اللازمة لحماية البيئة، فبينما نحن نتخيّل أن الحلول كُلها تكون من قِبل الحكومة، أجدهن يبدأن بأنفسهن وبالحلول البسيطة التي يُمكن لأي إنسان القيام بها، مثل ترشيد الاستهلاك الضروري لحل مشاكل النفايات ونضوب الموارد الطبيعية أو حتى إعادة استخدام مياه الأمطار ولربما صناعة السماد من النفايات العضوية!
الأهم من كُل هذا.. أن الهندسة التي تدرّس في الجامعات لا فائدة حقيقة تُرجى منها إن لم توجد رجال أعمال مُبادرين يؤمنون بها أو حكومات لديها سياسات بيئية واضحة وواعية لتطبيقها، وفي بلادٍ مثل بلادنا.. يبدو أن "هندسة جدّتي" أنفع لنا!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

