لَم يَكُن القَرارُ سَهلًا، كُنتُ أحمِلُ خيبة سِنيِّ عُمري على كاهِلي، وآخِر الأوراق في فَتَّةِ الحَظ، كُنتُ أمَّ موسى التي استَجابَت لقلبِها، فقذفَت نَفسها في اليَم، علّها تَعودُ إليها، كُنتُ الحِوارَ الأخير بينَ الظلِّ والمُسافر، بينَ الحَقيقة والمَجاز، بينَ السّماء وآخر الطّرقات الأرضيّة، كُنتُ أشدُّ بِحارًا مِن الدّمع في رأسي كَي لا أغرقَ، كَي أفتِّشَ عَن نهرٍ جافٍّ أعيدُه للجريان، كُنتُ الغَريبَ الأغرب في مَدينة الغُرباء!
حينَ قرّرتُ الرّحيلَ إلى مَدينة الغُرباء كنتُ فارغًا تمامًا، مُتحرِّرًا مِن كُلّ شيء، لا أحمِلُ معي إلّا خَيبةً كُبرى، وخوفًا مُلتهِبًا، دُرتُ أربَعَ دوراتٍ حَولَ نُصبِ المَدينة؛ كَي أعمِّدَهُ بِحضوري، وَوَقفتُ أنتظرُ منه شيئًا خُرافيًّا، كَأن يحتَضنَني مَثَلًا !، فقد كُنتُ قابَ انهِيارينِ أو أدنى، انتَظرتُ صَديقي طَويلًا، باغَتني شابٌّ في مُقتَبلِ العُمر يسألُني عَن موقِعٍ ما، قلتُ في خِلدي: يا لَحماقَته !، ألا يَراني تائِهًا !، أدركتُ فيمَا بعد أنّنا جَميعًا تائِهونَ، وغُرباء في جَوفِ المَدينة، لَملَمني صَديقي مِن أرصفة الطّرقات التي عَلِقتُ بها، وشدَّ يده الكَبيرة على يدَيَّ الراجِفَتين، وبارَكَ لي شيئًا ما، لَم أحتَمل، فدارَت بي الأرضُ كَثيرًا.
كانَ المَساءُ الأوّل مزيجًا مِن كُلِّ شيء، التّيه، الخَوف، العُتب، التّخلي، الكُره، الحُريّة، الحُزن، والضّحك بِلا سَبب أو مَوعد، والخَجل مِن عيون الجَميلة التّي قدّمت لي كأسًا مِن البُرتقال، كُنت أجمعُ شتاتَ نفسي، وأحاوِل تَصنّعُ التّماسُك، وأفكر في لحظَة النّوم، والهُروبِ مِن الحَياة، كنتُ مُشوَّشًا تَمامًا، أفكّر فيما لا يَستَحقُّ أن أفكر فيه، وأضيعُ مِن نفسي في استِذكارِ الكَسر الأكبر، والجُرح الأعمق، فكُلُّ الوُعوداتِ تَختَفي عِندما تبدأ الحَقيقة.
| نتَظرتُ صَديقي طَويلًا، باغَتني شابٌّ في مُقتَبلِ العُمر يسألُني عَن موقِعٍ ما، قلتُ في خِلدي: يا لَحماقَته !، ألا يَراني تائِهًا !، أدركتُ فيمَا بعد أنّنا جَميعًا تائِهونَ، وغُرباء في جَوفِ المَدينة. |
أخذَنا العَزيز أنا وَصديقي إلى مَطعمٍ ما، فَمدينة الغُرباء تبدأ بالمَطاعِم، وتَنتهي بها، جَلسنا ثَلاثَتُنا، كانا مَعًا، وكُنتُ وحدِي أصارِعُ ألفَ موتٍ يَنهضُ داخِلي، وأتظاهَرُ بالاندماج معهُما، وأهزُّ رأسي مُوافِقًا، كانَت تلكَ اللّحظات مَحضَ جنونٍ وحربٍ شَعواء، أتكوّر على نَفسي، أحسُّ بدَمعتي وصلت ذروة النّشوة، فأهربُ لأغسَل وجهي بالماءِ مُحاوِلًا إخفاءَ صَهيلِ الدّموع. خَلعتُ حِذائي، ولفّة عُنقي، ثُمّ استَلقيتُ على الأرض، كُنتُ أرتَجفُ بشدّة، فأكثرُ مِن بردٍ ينهشُ قلبي، لم يُكن هناكَ دفئ إلّا دفئُ يده التي ظلّت مُمسكة بيدي حتّى الفَجر، فيما أخذَ يقصُّ عليّ كَثيرًا مِن الحَكايا التي لا أذكُرها، الآنَ أنا رهنُ التّعب المُطلق.
كانَ الصّباحُ ينهَضُ ببطء مِن رحمِ اللّيل، وكُنتُ أمشِي في داخِلي أفتّشُ عَنّي، حَملتُ قلبي إلى صحراء بَعيدة، غَلّفته وشَددتُ أزري، وبدأتُ أمشي في قلبِ المَدينة، أكتِشفُ جَمالها، وغربَتها، حتى جَلستُ في حَديقةٍ ما، وأخذتُ أحدّثُ نفسي، الجُنون هُو أن أتَحدّثَ مَع نَفسي في حَديقةٍ مليئةٍ بالأشياء، لكنَّ الدّهشة أن أصحو مِن سَكرة الجَنون فأجدَ كُلَّ الأشياءِ تُصفق لي، الشّجرة الكَبيرة ذاتُ الشّاربين !، حجرانِ منقوشانِ يَتَفجر الماءُ فيهُما، وبضعُ حشائش أنهَت لتوّها صِراعَها مَع الرّيح، بعضُ أضواءِ المَساء، ومِئذَنة طَويلة لَم أكُن أراها قَالت لي: " لا تَحزَن إنَّ الله مَعَنا " .
لا فائِدة من كَثرة الحَديث، فهي المرّة الأولى التي أتجوّل بها ليلًا في الطّرقات، للمُدن طَعم آخر في اللّيل، والمُدن تَموت حينَ يختبئ سكّانها ليلًا، كانَت مدينة الغُرباء تَعجُّ بالمارّة، والمَحلّات، وكنتُ آخُذُ نفسًا عَميقًا، لأملئ جوعَ رئتيَّ للهواء، وأمشي تائِهًا وراءَ خُطى المارّة لأجدَ نفسي في المَكانِ ذاتِه بعدَ برهة، لا فائِدة مِن تكرار المَشاهِد، ولا ذِكر الأشخاص، ولا تَفاصيل الهُروبُ المَجنون، لكنّ ينبتُ فيَّ شعورٌ عَميق بالغُربة في نَفسي، فأن تَكونَ غريبًا في مجتَمع مُتجانِس أصعبُ ألفَ مرةٍ مِن أن تَكونَ غريبًا في مُجتمعِ الغُرباء.
اللّيلة أضعُ كفّي على خَدّي أمامَ تِكرارِ كُلّ شيء، أشعُر بغربةٍ مَقيتة، ورغبة جامِحة بالبُكاء، سَيقولُ مَن يقرأُ، لقد جُنَّ مُهنّد، لَم نَفهم شيئًا مِما قال، لكن ما بِيَدي حيلة، افهَموا قَلبي، وشعوري، وانحِساري عَن جبلٍ مِن الذَكريات، افهَموا أنّني أهذي بما أفهمُه وَحدي مَع قلّةٍ قَليلة، افهَموا شعورَ المَدينة التي تَفتَقدني، والشّارع الذي يمشي عَلى خُطاي، والجَميلة التي ما زالَت تُصفقُ لي، افهَموا هُروبي مِن كُلّ شيء، وكُلّ أحد، وحاجَتي المُلحّة للوحدَة، الوحدَة الأبديّة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

