شعار قسم مدونات

داء الكلب السياسي والاجتماعي

blogs - human

للفكر عينٌ ثالثة في رؤوس الأفذاذ من الناس، لا تخشع في بلاط ولا تمتص كالإسفنج، ولا تستبدِل رؤيتها بموائد الخبز، فالنجاح ليس المال الذي تدخر، أو المكانة التي تقتعدها، ذلك فشل حقيقي إذا ما ارتضيت أن تُغلب على عقلك، وأن تعقِد صلحاً فيما لا تعتقد، لأن المصير عيشةٌ رخيصة في جوفك، ثم الزوال الأبدي إلى جوف الأرض، فصدرك المسكين يقول خلاف ما يقول فمك، وتمظهرك المقدس يكفر بك لشدة إيمانه بدناسة مظهرك، فما أحوجك أن تمضي في النجاح الآخر، نجاح التاريخ وأعماق الجذور، ولتتحمل مناقير أمتك العميانة، وسفاهة الصغار العمالقة.. ولتسف قوتك سفاً، أكرم من أن تُداس خلافتك لله، وكرامتك الإنسانية الموهوبة لك منه.
 

الذي يبقى معك هي ذاتك، على أي قالبٍ كنت بها، وما دونها ذاهبٌ عنك لا محالة، لن تكون لك القشور التي تتمادح بها، بل اللب الذي تُفرِّغه من مضمونة يوماً بعد يوم وساعة تلو ساعة، وأنت تعلم بتفريغك ذاك وقمعك المرير لذاتك، كما لو كنت مدمن للمخدرات أو لشرب الخمر وتبتغي أن تقلع عنهما حتى تكون على الدين المشاع في واقع عروبيتك التافهة!
 

الجاهل لا يخطئ أبداً، ولا أراك إلا مصيباً فيما أفرغت، وليس لمثلي أن يجاري هذه النظم النقية كالمصفاة، التي لا أُقدّر قدرها، فنهركم يطفر بالدمع بعد أن جمد البحر، وفي أفواهكم لغة الأمان التي ضاع مفتاحها.

إنك في جهاد يا أخي كي تؤمن بكفرياتهم الأخلاقية والسياسية والدينية، ولكنك لا تستطيع أن تتغير، إنك لعاجز إلا أن تكون أنت، فقد أوجدت في قلبك رياحين الرجولة والمبادئ السامية والصدع بالحق، وأرسلت قلمك وقلبك فيه كي يخط تلكم المبادئ التي تنهشك كنهش الكلاب، تلك الكلاب التي تخشى أن تعكر صفو حلمك الريان؛ بدائها السياسي والاجتماعي دونما موتٍ عاجل.
 

هناك صوت : لماذا يا أخي راكمت شخصيتك بالمرفوض في واقعك، ولم تراكمها بالمستحسن فيه؛ -المقبوح عند خالقك والرجال الأفذاذ-، لماذا لا تعيش في رغدٍ وفي ولهٍ وفي شهوةٍ، تمضي بتلك الغرائز في إباء الفحول، وتطفئ مصابيح عقلك كلها، وتقول ما تقوله الحكومة، أو فقط تكتفي بالغرائز ولا حاجة لك بالقول، ماذا يفيدك، ما عساه يغير يا أخي، لا أراك إلا متورطاً في تخطيك خيوط الواقع المرسوم بالسكين، هل تراني مخطئ؟
 

الجاهل لا يخطئ أبداً، ولا أراك إلا مصيباً فيما أفرغت، وليس لمثلي أن يجاري هذه النظم النقية كالمصفاة، التي لا أُقدّر قدرها، فنهركم يطفر بالدمع بعد أن جمد البحر، وفي أفواهكم لغة الأمان التي ضاع مفتاحها.
 

من الجميل يا أخي أن أحدثك عن قصة ذلك الدب البليد، الذي طالما عاش في جبال الثلج طُرّاً حتى وافاه أجله، بعد أن ضيق الخناق على أبناء قبيلته، نتيجة لبس فهم حيال صيد سمكة السلمون، فحين خرج أحد نبلاء الدببة من القبيلة مع صديقين له ذات نهار لأجل الصيد، استأذنوه بأن طبيب الدببة قد أعياه مرضه ولا معين له في محنته، فأرسل إليهم- أي طبيب الدببة- يستنقذهم في زيارة، كيما يوفروا له قوت أسبوعه ذاك.
 

بينما الحقيقة أن ذلك الدب الجاثم على القبيلة بتسلطه، هو العاثر المريض، فقد أعجزه القيام بواجبه نحو قبيلته، فلم يجد أبناءها ما يسد رمقهم في عجزه، فأغلق عليهم منافذ الإنسانية إلا ما أذن بها، مما أضطر ذلك النبيل الذهاب مع صديقيه للصيد، وإخفاء الأمر عليه، كي لا يمنعهم، إذ لا يمكن لمثله أن يشعر بالعجز، أو أن يشعروه بذلك، فافتعلوا تلكم الحيلة المناطة بطبيب الدببة.
 

حين عودتهم من الصيد وفي مخالبهم آثار دم تلوح كلما خطو، وعلى أسنانهم شاكلة فريسة لم يتبين ماهيتها، صاح بهم، وأقبل عليهم مكراً، متهما إياهم بالكذب وعدم الصدق معه، واستنقاصهم لمقامه الرفيع جداً، مذكرهم بالمحامد الزكية التي خلدها في القبيلة، كما لو أراد أن يقول لهم : أنتم الدببة وأنا إلهكم!
 

على أنه إستلبهم الفريسة كلها ولم يبقي لهم سوى الفتات، وسار بعد ذلك في وحدته يصارع الظلام الذي في داخله، مردداً: الصدق.. المصداقية.. الصدق، شاكاً فيهم وفي مسارهم، ومستغربا كيف لمثلهم أن يكذبوا على مثله.
 

الذي يبقى معك هي ذاتك، على أي قالبٍ كنت بها، وما دونها ذاهبٌ عنك لا محالة، لن تكون لك القشور التي تتمادح بها، بل اللب الذي تُفرِّغه من مضمونة يوماً بعد يوم وساعة تلو ساعة.

بينما كان على تلك الحالة المزرية مر عليه ذلك الدب النبيل الذي أثار استياءه؛ سائلاً إياه : أيها الدب الطيب! يا شيخ قبيلتنا المعظم، أما تجد أنك قد حصرت كل المبادئ في مبدأ واحد، واستحوذت على كل فريسة تأتيك من هنا أو هناك بحجة ذلك المبدأ، فأين مبدأ العدل مثلًا، أو مبدأ الأمانة، أو مبدأ الحرية، أو مبدأ تقسيم الثروة، أو مبدأ ديمقراطية المشيخة في قبيلتنا العظيمة!
 

أخي.. إن أعظم الاستثمار أن تستثمر في شخصك، لا في أموالك وأملاكك وأرصدتك، ذلك ثانوي بإزاء رسالتك التي يجب أن تكون بها ومن خلالها رسولاً. ذاتك الخابئة تحت رماد الوجع، استثمر فيها وستجدك تحصد ثمارها الآن وبعد الآن، لا ضير من الغربلة فتلكم المحن والإحن جزءٌ لا يتجزأ من الاستثمار لتلك الذات، أو ما سمعت حديث نبينا العدنان "لا حليم إلا ذو عثرة، ولا خبير إلا ذو تجربة"، لن تفهم الحكمة التي تقولها بمعناها الحقيق مالم تكن أنت صاحبها، ولتنظر لتلكم الوردة المرسومة، إنها لريانة، وكأنها تتمايل، ولكن هل شممتها، هل استعطرت بعطرها، هل لمستها، هل ضممتها، هنا يتجلى الفرق ما بين تجربتك أنت وما بين تجارب الآخرين التي تهتري بها، وكذا حكم الكتب التي تستقيها من بطونها وتتبجح بحفظك لها.
 

اعثر يا أخي مثلي، فالطريق المعبدة فيها العثار أكثر من الطريق الكؤود، لأن الأُولى معبّدة من حيث الأصل، كؤود من حيث الواقع، بينما الأخيرة عكس ذلك، من هنا ستعلم أنك تمضي في طريق النبهاء، أصحاب الحلم والعلم، وليفرح قراصنة القيم والأخلاق بعثارك، إنهم لا يفهمون نجاحك أبداً ولن يفهموا، ولكنهم يفهمون عثارك، فكيف لك أن تقدِّرهم أو أن تمشي في مناكب سراطهم، أو أن تستبدل خطتك واستثمارك. "دمروا رغباتي، وأنفقوا مُثُلي العُليا، وأروني شيئا أفضل وسترون كيف أتبعكم، وقد تقولون إن ذلك لا يستحق منك عناء، ولكنني أستطيع أن أعطيكم الجواب ذاته في هذه الحالة، إننا نبحث الأمور بجدية، فإذا لم تنتبهوا لي فإنني سأنكر معرفتكم وسأتراجع إلى الثقب الذي خرجت منه في باطن الأرض." دوستويفسكي.
 

يا أخي.! أمةٌ عربية تعدادها يناهز الأربعمئة مليون إنسان، تتناقل داء الكلب الاجتماعي والسياسي على السواء، حتى أُصيب دماغ المجتمع بفيروسات قاتلة، إذ لم يعد ينتج عن تلكم المجتمعات؛ إن نتج، سوى عبقرياً واحداً، ومع ذلك يُتهم بالشذوذية والكفر والزندقة، وتهديد حياة الناس، والإرهاب، …الخ. لابد من علاج لمقاومة هذا الفيروس القاتل، الذي طالما راكب وراكم الأواني الفارغة، ليجعل منها ضجيجاً، لا نكاد نسمع لغيرها من صوت.