إن الخشية التي تدفع المجتمع ومؤسساته لعدم فتح أحضانهم لأي نزيل خرج من سجنه قد تكون نابعة من الخشية لتكراره ارتكاب جرم جديد بحقهم، وهذا يجري في الدول ذات السيادة والمؤسسات، بل إن هناك فرقاً كبيراً وشاسعا بين القوانين والقرارات التي تعتمدها تلك الدول للحفاظ على السُجناء وبين الممارسات اليومية بحقهم، والنماذج في هذا السياق أكبر من مجرد ذكرها.
| انطلقت في سجون غزة نواة نسخ القرآن الكريم بالرسم العثماني على أيدي نزلاء مركز إصلاح وتأهيل غزة وبرعاية من جمعية دار القرآن الكريم والسنة، وما أعظمه من مشروع حينما بات تفكير عدد من السجناء في نسخ أعظم كتاب نزل للبشرية. |
إن مشاهد السجون في أكثر البلدان ادعاءً للديمقراطية إلى أدناها تؤكد بأن "الخارج منها مولود والداخل فيها مفقود"، غير أن من يخرج منها تكون توجهاته وسلوكياته قد باتت مركزة في الانتقام، كنتيجة لاعتقاده بأن الجهة التي سيقصدها هي مجتمعه أو مؤسساته إنما بهدف تفريغ بسيط لحالة البؤس التي عاشها في تلك السجون، وما إن يخرج لعدة أيام حتى يعود من جديد لتلك السجون، في مشهد قد يبدو أنه تجسيد لحالة "عشق" سيطرت على جوارح ذلك الشخص وسجنه، وهي النتيجة الحقيقية للتعامل مع النزلاء في بلدان شتى من العالم.
في غزة المشهد يختلف، فلا حكومة التوافق تعترف بغزة أو مؤسساتها، ولا الدول التي تدعي الحفاظ على حقوق الإنسان تنظر إليها بعين الرحمة كذلك، ورغم ذلك فقد جعلت إدارات السجون من تلك الأماكن جُزراً لوقوف النزيل مع الذات وإعادة بناء استراتيجية حياته للخروج إليها انساناً آخر غير التي دخلها، حتى وإن كانت إدارة مراكز الإصلاح تلك لا تتلقى الدعم المناسب.
خلال الشهور الماضية انطلقت في سجون غزة نواة نسخ القرآن الكريم بالرسم العثماني على أيدي نزلاء مركز إصلاح وتأهيل غزة وبرعاية من جمعية دار القرآن الكريم والسنة، وما أعظمه من مشروع حينما بات تفكير عدد من السجناء في نسخ أعظم كتاب نزل للبشرية، بدلا من قضاء أوقاتهم في التفكير بالانتقام حين الخروج من سجونهم.
في هذا المشروع الذي احتفل الجميع بإنجازه مطلع فبراير الجاري بات أولئك السجناء معاول بناء لمجتمعهم وشعروا بقيمتهم وشاهدوا السعادة على شفاه من حضروا احتفال تكريمهم، لم يخطر على بال من شاهد مجموعة من الشباب الذين يرتدون القرافات والملابس المهندمة ويحملون المصحف بين أيديهم تسيطر السعادة على جوارحهم أن يكونوا من نزلاء السجون ولا يزالون فيها يقضون ما تبقى من سنوات حكمهم.
في الصورة الثانية من المشهد، لم يخطر على بال أولئك النزلاء أن ذويهم وأهليهم ووجهاء عائلاتهم سيفتخرون بهم ذات يوم، لكن الأمر كان مختلفاً في غزة، فقد كان الأهل والقيادات الفلسطينية ووجهاء المجتمع في مقدمة من حضر حفل تكريم هؤلاء المبدعين، بل والحديث بكل فخرٍ عنهم وما حققوه من إنجاز سيحفظونه جيدا في سجل حياتهم.
عاد أولئك النزلاء إلى غرفهم بعد انتهاء هذا الحفل وهم غير مصدقين لهذا الإنجاز الذي حققوه داخل سجونهم، عادوا وكلهم أمل بأنهم بعد الإفراج عنهم حينما سيصفهم البعض بأنهم "خريجي سجون" سيعتريهم الفخر بهذا الوصف أكثر من أن يكون وصمة عار بحقهم.
أمام هذا النموذج الفريد الذي صنعته غزة رغم حصارها وضعف الإمكانيات لديها، يقع على عاتق بلادنا العربية الاستفادة بإمكانياتها الكبيرة وتحويل نزلاء السجون عندها والذين تُقدر أعدادهم بالآلاف إلى رجال صالحين خادمين لمجتمعاتهم بدلاً أن يكونوا معاول هدم لأبنيتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

