محمود حسين.. بريء يعامل أسوأ من المجرمين

لقد كان مارك توين مُحقًا عندما قال إن الكذبة تستطيع أن تطوف العالم قبل أن تلبس الحقيقة حذاءها؛ فقد رأينا هذا وعايشناه واقعًا ملموسًا، صادمًا.

دخل الزميل محمود حسين شهر حبسه الثاني، وهو من الناحية القانونية "بريء حتى تثبت إدانته"، غير أنه يواجه تنكيلًا وتضييقًا لا يواجهه عتاة المجرمين ولا أكابر القتلة.

محمود حسين بريء لم تثبت إدانته، والدليل أن نيابة أمن الدولة ما زالت حتى اللحظة تجدد حبسه الاحتياطي لأنها لم تكن عقيدة تجعل اتهامه (مقطوع به) كسيادة مصر على أرضها، ومع ذلك هو رهين حبس تأديبي ظالم مجحف، يفترض أنه نوع من أنواع العقاب التي يتم توقيعها على سيئي السلوك.

يقضي محمود أيامه في زنزانة فردية، تفتقد لأبسط مقومات الحياة الآدمية، وفي مقدمتها دورة المياه، كما أنه يعاني بداخلها ندرة في الطعام والشراب والغطاء والملبس، في طقس شديد البرد، ناهيك عن أنه يعاني منعًا تامًا من رؤية ذويه وهيئة الدفاع عنه، بالمخالفة للقانون.

المادة 377 من دليل معاملة المسجونين، تفرق بين التسكين الانفرادي والحبس الانفرادي، فغالبًا ما يتعمد القائمون على تنفيذ نظام السجون إلى الخلط بينهما فالتسكين الانفرادي هو (ميزة) يتمتع بها المحبوس مما يستلزم من أن يتمتع المحبوس بـ(غرفة مؤثثة) وتبقى له (كافة الميزات) كحق التريض والتجوال وكافة الميزات الأخرى المنصوص عليها في القانون واللوائح المنفذة له. أما الحبس الانفرادي فهو عقوبة توقع على المسجون وتستتبع بالتالي حرمان من كافة الميزات وعزله في زنزانته ليل نهار، وعزله عن باقي المسجونين وقد يترتب عليه إيداع المسجون في غرف التأديب وهو عكس التسكين. محمود محبوس انفراديًا كعقاب، وهذا في حد ذاته جريمة ترتكب في حق محمود وآلاف مثله، بل وفي حق القانون.

حق الزمالة يحتم عليَّ أن أقول لمن يسمع: إن محمود حسين يتعرض لظلم وتنكيل واضطهاد بشع وغير مقبول، لا لشيء، إلا لأنه أحسن الظن بمصر وقرر أن يقضي بها إجازته. وليته ما فعل.

للمحبوسين احتياطيًا طبقا للمادة (38) من القانون 396 لسنة 1956 والمادة (60) من اللائحة الداخلية للسجون العمومية والليمانات رقم 79 لسنة 1961 والمادة (34) من اللائحة الداخلية للسجون المركزية رقم 1954لسنة 1971 هذا الحق على النحو التالي:
عدد مرات الزيارة: لذويهم أن يزوروهم مرة واحدة في أي يوم من أيام الأسبوع عدا الجمع والعطلات الرسمية، فيما عدا أول وثاني أيام عيد الفطر المبارك وعيد الأضحى لمن يستحقها ما لم تمنع النيابة العامة أو قاضى التحقيق ذلك طبقًا للمادة 141 من قانون الإجراءات الجنائية (مادة 60 قرار وزير الداخلية 79 لسنة 1961م).

محمود حسين ممنوع من الزيارة منذ شهر كامل، وتم رفض طلبات تقدم بها محاموه للحصول على تصريح بزيارته، غير أن وكيل النائب العام المكلف بالتحقيق معه قد سمح له برؤية ذويه في مرتين منفصلتين، وله كل الشكر على هذا.

لو نظرنا إلى هذه المعاملة غير الآدمية التي يتلقاها الزميل محمود دون أدنى تحرك من الصحفيين أو الحقوقيين لنصرته ورفع الظلم عنه، لوجدنا أن من قتلوا المصريين في الشوارع ومن نهبوا ثرواتهم وبددوا مقدراتهم، لم يعاملوا على النحو نفسه، بالعكس، كانوا يظهرون على الشاشات وهم يرتدون ملابس من أفخم الماركات العالمية التي اشتروها من دماء المصريين.

ربما محمود يعامل هكذا لأنه يعمل في الجزيرة، لكنني بحثت في قانون العقوبات المصري فلم أجد نصًا واحدًا يجرم العمل في الجزيرة أو يضع صاحبه تحت طائلة العقاب، وحتى وإن كان العمل في الجزيرة يستوجب الخضوع للتحقيق فإنه لا يبرر انتهاك حقوق الشخص إلى هذا الحد، ووضعه وحيدًا بين أربعة جدران لأسابيع وربما لشهور، في محاولة غير أخلاقية لتدميره نفسيًا، بالمخالفة للقانون أيضًا.

في النهاية، أعرف أن كلامي لن يغير شيئًا في الأمر، لكن حق الزمالة يحتم عليَّ أن أقول لمن يسمع: إن محمود حسين يتعرض لظلم وتنكيل واضطهاد بشع وغير مقبول، لا لشيء، إلا لأنه أحسن الظن بمصر وقرر أن يقضي بها إجازته. وليته ما فعل.



حول هذه القصة

نظم عشرات الصحفيين السودانيين والناشطين المدافعين عن الحريات الصحفية وقفة احتجاجية في العاصمة الخرطوم، تضامنا مع الزميل محمود حسين منتج الأخبار في قناة الجزيرة المعتقل لدى السلطات المصرية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة