قبسات في الحب من بيت النبوة

في غزوة ذات السلاسل أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمرَو بن العاص على الجيش، وكان فيهم أبو بكر وعمر، وأحسن عمرُو بن العاص إدارة المعركة وحقق انتصارا سريعا، فلما أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام تصور عمرو أنه قد سبق الناس جميعا إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله: مَن أحبُّ الناس إليك يا رسول الله؟ فقال: "عائشة". فقال عمرو: لا أسألك عن أهل بيتك، إنما أسألك عن أحب الرجال إليك؟ فقال: "أبوها".

كان كل مَن دنا مِن النبي صلى الله عليه وسلم يظن أنه أقرب الناس إليه وأحب الناس إلى قلبه، فكيف إذا جعله النبي أميرا على جيش فيه أفاضل الصحابة؟ وكيف إذا اعترض الصحابة على بعض أمور فعلها الأمير ثم لما شرح وجهة نظره أُعجب بها رسول الله ومدحه أمام الناس؟ هنا ظنّ عمرو أنه إذا سأله عن أحب الناس إليه سيخبره بأنه هو، ففوجئ بذكر غيره، ولم يتردد النبي عليه الصلاة والسلام أن يذكر اسم زوجته أمام الصحابة مُصَرّحا لهم أنها أحب الناس إلى قلبه، بل إنه لما ذكر أبا بكر لم يذكره باسمه ولا كنيته، إنما ذكره بنسبته إليها فقال: أبوها. وهذا إن دل إنما يدل على شدة حبه عليه الصلاة والسلام لزوجته عائشة.

والباحث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أن أشد منافسي عائشة في هذه المنزلة هي خديجة رضي الله عنها حتى بعد موتها، فقد كان عليه الصلاة والسلام يذكرها كثيرا، وكان يتحرك قلبه عندما يسمع صوت أختها هالة بنت خويلد، وكان إذا جاءته هدية يقول: "أرسلوها لبيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحب خديجة". ودخلت عليه امرأة ذات يوم فأحسن استقبالها وهش وبش في وجهها فلما انصرفت قال: "إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن خديجة كانت تحبها". حتى قالت عائشة رضي الله عنها: ما غِرتُ من امرأة مثلما غرت من خديجة.

وصل الأمر إلى حد رواية عائشة لأمور دقيقة جدا تستشهد بها على شدة حب النبي صلى الله عليه وسلم لها، فتقول: كنت إذا أكلتُ من طعام أخذه النبي ووضع فاه على موضع فِيَّ.

والحب في حياة النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ملحوظا فقط في كلماته وتعبيراته، بل كان ظاهرا بارزا في أفعاله وتصرفاته، فها هو ذات يوم حال عودته من سفر، يقول للصحابة: تقدموا، ثم يقول لزوجته: سابقيني يا عائشة. فيتسابقان، وتسبقه. ثم يكرر الأمر في سفرة أخرى بعدها بفترة طويلة، ويسبقها هذه المرة. وحينئذ يداعبها ضاحكا بقوله: "هذه بتلك"، وهو موقف يندر أن يقوم به رجل مِنّا في الظروف والأحوال الطبيعية، فكيف وهو عائد من سفر شاق؟ وغالبا ما كان ذلك بعد غزوة من الغزوات.

وها هو يدعوها لمشاهدة الأحباش وهم يلعبون بالدروق والحراب في المسجد، فيسترها بجسده وهي تقف خلفه مُتّكأةً عليه دون تململ منه ولا استعجال، بل تقول: وكنت أتعب فأجلس أستريح ثم أقوم، حتى كنتُ أنا التي مللت، ثم يقول: "اقدروا قدْرَ الجارية" ويبين أن الجارية هي الفتاة حديثة السن الحريصة على اللهو (وكل النساء كذلك)، يعني أن مشاغل الرجل مهما كثرت لا ينبغي أن تأخذه من أهله وأولاده الذين يشتاقون للهو واللعب والمرح، ومن منا اليوم أكثر شغلا من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

لم تكن مشاغله عليه الصلاة والسلام عائقا بينه وبين السمر مع نسائه والخروج للتنزه معهم ليلا والسماع لقصصهم وحكاياتهم، وأبرز مثال على ذلك الحديث الشهير بـ (حديث أم زرع) الذي حكت في عائشة قصة إحدى عشرة امرأة مع أزواجهن، والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع بانتباه وتركيز، حتى يقول لها في النهاية: "كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع".

ووصل الأمر إلى حد رواية عائشة لأمور دقيقة جدا تستشهد بها على شدة حب النبي صلى الله عليه وسلم لها، فتقول: "كنت إذا أكلتُ من طعام أخذه النبي ووضع فاه على موضع فِيَّ، وإذا شربت من إناء أخذه النبي ووضع فاه على موضع فِيَّ" و"كان يتكئ في حجري وأنا حائض"، و"كان يدخل لي رأسه من المسجد حتى أُرَجِّلَه له" أي (أقوم بتسريحه)، ولم يكن هناك أي مانع من أن يعلن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر بقوله: "إني رُزِقت حبّها".

أحببت أن أرسل رسالة اعتذار لزوجاتي، حيث قصرت معهم كثيرا في التعبير عن مشاعري تجاههم، كما عجزت عن القيام بكثير من الأمور التي ذكرتها في هذا المقال.

ولم يكن الحب بينهما مانعا من أمور الغيرة وما يترتب عليها من بعض المشكلات، فذات مرة كان عليه الصلاة والسلام عند عائشة، ثم قام رويدا رويدا من فراشها، فظنت أنه ذاهب لبعض نسائه، فخرجت خلفه تراقبه، فذهب إلى مكان التقى فيه جبريل ثم رجع، فاضطرت عائشة للإسراع حتى تسبقه إلى البيت، فظهر ذلك على سرعة نَفَسِها عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم، فدار بينهما حوار حول خروجها خلفه، ووصل الأمر إلى أن لَهَدَها النبي على صدرها بيده لهدة تقول عنها عائشة أنها أوجعتها، لكن يبدو أنها لم تؤلمها لشدتها، ولكن لكونها صدرت من حبيبها، فكانت أشد وجعا من كونها قوية، وهذا لأنه لم يعهد عنه عليه الصلاة والسلام ضربه لنسائه.

لا يكاد الحديث عن الحب ينتهي، خاصة إذا كان في حياة أفضل البشر عليه الصلاة والسلام، لكن اللبيب تكفيه الإشارة، فالمقصود هو لفت النظر إلى الحب الطاهر الشريف، بعيدا عن عيد يحتفل به الناس يوما في العام دون أن يعرفوا حقيقة الحب، حتى ابتذلوا الحب في لقاء ممنوع أو أعمال آثمة مُحَرّمة، ولا حتى أن يعرفوا حقيقة أمر القديس فالِنتَين الذي يحتفلون به، وهل زنى بابنة الإمبراطور أو بابنة السَّجَّان!!

كما أود التذكير بحديث مهم في هذا المقام، حيث جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الساعة، فقال له رسول الله: "وماذا أعددت لها؟" فقال الرجل: ما أعددت لها كبير عمل، ولكني أحب الله ورسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام أشد ما فرحوا به.
لأن الرجل قد يحب رسول الله وأبا بكر وعمر وبقية الصحابة، فيكون معهم وإن لم يعمل بعملهم، المهم يكون صادقا في محبته.

وفي النهاية أحببت أن أرسل رسالة اعتذار لزوجاتي، حيث قصرت معهم كثيرا في التعبير عن مشاعري تجاههم، كما عجزت عن القيام بكثير من الأمور التي ذكرتها في هذا المقال.



حول هذه القصة

استقرار الأمور لدى مسلمي الغرب المستوطنين اليوم، أحد المسارات المساعدة للتوازن المفقود، والمطلوب للطريق الثالث، والشق الثاني هو مهمة مثقفي الشرق الإسلامي وعلمائه المتنورين بحقائق مقاصد الشريعة، لتدشين المسار الجديد.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة