شمولية أفلاطون اللطيفة

تخيل أن تستيقظ الصباح وتجد كل شيء مرتبا مسبقا، الأكل، الأهداف، الأعمال، المساعي، ثروتك، الكتب التي سوف تقرأها طوال حياتك، الفكر الذي سوف تنتمي إليه، صورة القائد الذي سوف تمجده، صورة الأعداء الذين تكرههم، شكل علاقتك مع جارك، الفن الذي سوف تحبه، الأخلاق التي سوف تتبعها، والدين والإله الذي سوف تعبده، وأي حياد في هذه الخطة سوف تعتبر خطرا على الدولة ومجرما في نظر القانون، أليس هذا مرعبا؟

القاموس مليء بمصطلحات نظم الحكم الشمولي مثل الرأسمالية – الشيوعية – البيروقراطية – ديموقراطية الحزبيين -الكلبتوقراطية –الديكتاتورية العسكرية – الآباء المؤسسين -جمهورية أفلاطون الفاضلة، ولا تستغرب بأن جمهورية أفلاطون الأخلاقية ضمن القائمة، فهي تفعل ما تفعله كل الأنظمة الشمولية التدخل المباشر في حياة الفرد، تقسيم المجتمع، إقطاعية فضيعة والتحكم بالثروات وحرمان الأفراد من الاستقلال، ولكي نفهم عمل هذه الأنظمة التي تختبئ فعليا خلف الأهداف السامية مثل ما فعل أفلاطون خلف الخير الذي حدده مسبقا.
 
أولا هؤلاء الزعماء الذين على السلطة لم يسقطوا من السماء بل جاؤوا من الأرض، لنرى ما تشترك به هذه الأنظمة سنجد أنها تقوم على أفكار سامية، إما الاستقلال عن استعمار نكل بالشعب أو قومية عرقية تعزز العرق الذي في البلد أو دينياً، وفي جميع الحالات تكون الأفكار السامية مبنية على الأكثرية لتكون مؤثرة في مشاعر من سوف يناصروهم، ومن هنا نرى أنهم جماعة إصلاحية تتبنى أفكار بناء للمستقبل، لذلك أغلب الأنظمة الشمولية الحالية في بدايتها كانت صالحة، وهذا ليس لأنها صالحة، بل لأنها لم تحقق أهدافها بعد، والتي هي السيطرة الكاملة والتحكم في تدفق المال، فمثلا لو بحثنا في أفكار جيمس سميث أحد الآباء المؤسسين، سنجد أنها فاشية تتعامل مع الأفراد كأنهم قطيع يتم السيطرة عليهم وجني المال منهم وتحويل الدولة لمؤسسة استثمارية، ولكن لن تجد هذه الأفكار في وثيقة الاستقلال التي كتبها، بل كانت وثيقة الاستقلال تحمل الأفكار السامية وبنظرة أكثر قربا؛ الذين كتبوا الدستور الأميركي الأول لم يكونوا من عامة الشعب، بل طبقة الأغنياء الذين حرصوا كل الحرص على إبقاء النظام شموليا بعد طرد الاستعمار، وبعد سنوات من الوثيقة رأى الأميريكيون الرأسمالية البشعة التي احتكرت مال الدولة لواحد بمائة من الشعب، وهذا يختصر كثيرا نشأة الأنظمة الشمولية.
 

الدولة تصنع الخوف بين الأفراد، الخوف من الاستعمار وتشجيع خوف الفرد على دينه وجعله يخاف دائما لكي يلجأ إلى الدولة التي تدعي حمايتها للفرد من الأعداء، من هنا تستمد الدولة الشمولية القوة لتفعل ما تريد.

إذن كيف يحافظ هؤلاء على السلطة؟ هنا يشرح أفلاطون في مدينته كيف يكون التحكم في الفرد من بداية نشأته بتحديد التعليم والأفكار التي سوف يتعلمها الفرد، وتحطيم الملكية الفردية لأي شيء يُعنَي بالاستقلال للفرد مثل الثروة وتحديد مصيره ومستقبله، وبهذه الطريقة تمتلك الفرد بتحديد حياته، ويذهب أفلاطون بعيدا بأفكار مثل شيوعية الأبناء والنساء وعدم تكوين أسرة للفرد وتقسيم الشعب إلى طبقتين هما المحاربين الذين يدافعون عن الجمهورية والفلاحيين الذي يعملون لبناء الجمهورية، وكما يقول: يجب أن لا يطمع الفرد أن يكون من الطبقة الحاكمة أو أن يغير طبقته، لأن لكل شخص مهنة خلق لها، وخلال الوصاية غير الشرعية للدولة للفرد في تحديد مناحي حياته وطموحاته تكون الثروة التي يجنيها الفرد أو الدولة في يد الطبقة الحاكمة التي سوف تدافع عن أي محاولة لتغير فكر الفرد أو الوضع، إما عن طريق العنف كما جرى في فرنسا حينما انطلقت تحركات اشتراكية وواجهتها الحكومة بالعنف، وكان مسموحا للفرد القيام بأي عمل غير أخلاقي باستثناء طلب تغير شكل الحكم.
 

وهناك طريقة أبشع لبقاء هذه الأنظمة، وهو السيطرة الفكرية على الناشئة من خلال مفاهيم القومية والدينية وتدريسه على الفداء من أجل الوطن، والوطن هنا ليس قطعة الأرض بل الطبقة الحاكمة التي تملك المال، وتم تحسين صورتها أمام الشعب على أنهم أفراد قمة في الفضيلة، ويسعون لرفعة البلد، ليتحول الفرد إلى مدافع عن الشمولية بحسن النية بأنه بدفاعه عن نظام الحكم الشمولي هو يدافع عن الاستقلال والقومية التي جاء منها، والدين الذي يعتبر أفيون الشعوب، وهنا تتم اللعبة، فأنت لو هاجمت النظام الشمولي بوصفه مدمرا للفرد، سيعتقد الجمهور الذي تمت برمجته وإعادة صنع قيمه، أنك تهاجم القومية والدين، وسوف يتم محاسبتك على هذا الهجوم وليس على نقدك للفاسدين.
 

والدولة تصنع هذا الخوف بين الأفراد، الخوف من الاستعمار وتشجيع خوف الفرد على دينه وجعله يخاف دائما لكي يلجأ إلى الدولة التي تدعي حمايتها للفرد من الأعداء، من هنا تستمد الدولة الشمولية القوة لتفعل ما تريد، وهؤلاء الشموليين يرون أفراد الشعب كما يراهم أفلاطون الذي اتخذ الوصاية الأبوية على مصلاحهم كما في قوله "بعض الرجال أحرار بالفطرة والطبع، وبعضهم الآخر عبيد، تناسبهم العبودية أكثر وهي العدل في حقهم، الرجل الذي ليس ملك نفسه بالفطرة والطبع بل ملك آخر هو عبد ٌ بالفطرة والطبع، وعكس هذا يخلو من ملكة العقل- وهذا الميزان الحق الذي أؤمن به".

لا عجب بأن الدولة الشمولية جعلت الشعب يعتقد أن أعداءه هم الأحرار الذين يسعون لمصلحة الشعب وتغيير الأفكار الظلامية وتحرير الفرد.

إذ في اعتقاده أن العبودية فطرة لبعض الناس وتقول حنة أردنت إن هؤلاء الضحايا تم إعادة برمجتهم على منطق جديد، وهو أن هناك أسياد وهناك عبيد، وطبيعيا سوف يسعى الفرد ليكون سيدا ولكي يكون سيدا عليه صنع عبيد، وهكذا تدور الدائرة الضحية، من التهميش والعنف من الدولة، يسلط العنف على الفرد الذي تحت سلطته، وهكذا تكون الشمولية نجحت في تغيير الفكر الخاص بالفرد وهمشت كل الحق والعدالة، وجعلت الفرد يعتقد في الدولة الشمولية أنها الحق والعدل للجميع، ومن الطبيعي أن يستولي أفراد على الثروات والحكم الإجباري وتهميش الأفراد الذين لا يملكون سلطة أو مالا.

نحن الآن بعد مئات السنين من الحضارة الإنسانية وما زلنا نرى أن مصطلح الشمولية يتغير كل يوم ليناسب الأشكال الجديدة وأثر الدول الشمولية بات واضحا ونتائجه نراها الآن تحول الفرد من مؤسس للدولة والمجتمع إلى مستقبل للتعاليم التي تم تشكيلها ليكون الفرد غير مستقل فكريا، بل لا يجد وقتا ليكون مستقلا، وما إن يباشر حياته لصنع أهدافه يجد أمامه ديونا ومردودا ماليا ضعيفا مقابل عمله، هذا إن أستطاع الالتحاق بالجامعة، وهذا هدف الشمولية: جعل الفرد ملهيا في أمور الحياة حتى لا يستطيع رفع رأسه لرؤية السرقات، وجعله رقما قوميا ورقما في مبيعات ليكون الفرد المستهلك بدلا من المنتج للفكر والاستقلال الذاتي، وأقصى همه الحصول على الموضة وإشباع رغباته، ليستمر الأغنياء أغنياء والفقراء أكثر فقرا.

لا عجب بأن الدولة الشمولية جعلت الشعب يعتقد أن أعداءه هم الأحرار الذين يسعون لمصلحة الشعب وتغيير الأفكار الظلامية وتحرير الفرد، فما إن يكون الفرد حرا ومدركا لمفهوم العدالة والدولة التي من المفترض أن يكون هدفها إعطاء حياة جيدة للفرد بدل من التغني بالقومية والدين، سوف يشكل خطرا على وجودها، فهم يحاربون ويخافون من أي تحرك يسعى لتحرير الفرد من جهله، لذلك يسيطرون على الإعلام وعلى التعليم وعلى الأحزاب اليسارية، وفي حالة لم ينجح كل هذا ولم تعد القومية والدين مشبعا للأفراد، يكون آخر حل هو التخلف الحضاري بحماية وجود الشمولية في الدولة بالعنف والقوة.



حول هذه القصة

يثير كتاب للتربية الإسلامية في مرحلة الدراسة الثانوية في المغرب جدلا وانتقادا واسعين بين مدرسي الفلسفة والتربية الإسلامية، إذ يعد “الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة”.

أكد الباحثان البريطانيان بهروز أفلاطونيان وهاري مور من جامعة شيفيلد أنه من الممكن خلال عشر سنوات إنتاج حيامن (حيوانات منوية) وبويضات بشرية اصطناعية من خلايا جذعية تناسلية، وهو الأمر الذي قد يؤدي على المدى البعيد لتغيير جذري في مفهوم الأبوة والأمومة.

تدارس أكاديميون وباحثون من اليونان ودول غربية مختلفة في العاصمة أثينا جغرافية وتاريخ إمبراطورية أطلنطا التي ورد ذكرها في كتابات الفيلسوف اليوناني أفلاطون حوالي أربعة قرون قبل الميلاد. وتفاوتت آراء الباحثين بشأن تاريخ هذا المكان المجهول ومكانه الجغرافي وسائر القضايا المتعلقة به.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة