حينما أنارت الشظايا العيون

عقب حريق لندن عام ١٦٦٦ ميلادية، نزح سكان المناطق المحترقة إلى ضاحية مور فيلد القريبة وأقاموا في مخيمات بنيت على عجل، ولم يمض قرنان على هذا النزوح حتى كانت هذه الضاحية تضم واحدة من أقدم مستشفيات طب العيون في العالم، والتي حملت اسم الضاحية، وأسسها الجراح البريطاني جون ساندرس عام ١٨٠٥.

 

مائة وخمسة وثلاثون سنة تالية – والقوات الألمانية تضع الخطة لاحتلال الجزيرة البريطانية بعد احتلالها لكامل الأراضي الفرنسية، حاشدة قواتها الجوية لهذه العملية، تخطيا لقوة البحرية الإنجليزية التي تؤمن القنال الإنجليزي – كان طبيب العيون الشاب هارولد ريدلي هناك، في مور فيلد مشغولا بإكمال أبحاث والده عن حلول تعيد الرؤية لأولئك الذين ابيضت عيونهم وبعدت عنهم وجوه من يحبون.

 

كانت مدونات الصينيين القديمة، قد ذكرت علاجا لتعتم عدسة العين، وهي جراحة تسقط عدسة العين المعتمة داخل العين، مفسحة المجال لضوء يدخل العين بلا هدف أو عدسة تجمعه. ورغم نسبة الخطر الكبيرة في هذه الجراحة، وقلة فاعليتها ظلت هي العملية الوحيدة المتاحة لتعتم العدسة إلى أن جاء الطبيب العربي عمار بن علي المعروف بعمار الموصلي، في القرن الرابع الهجري، واستعمل المحقن في شفط عدسة العين المعتمة خارج العين من ثقب صغير لا يوثر على العين، وهي الفكرة التي طورت حديثا في عمليات استئصال العدسات بالموجات فوق الصوتية.

 

مع اختراع النظارات الطبية، أمكن تركيب نظارات ذات عدسات كبيرة نسبيا، يمكنها أن ترسم جزءا من الصورة، لكنها ثقيلة، مشوَّهة، ومشوِّهة أيضا.

كانت جراحة الموصلي أكثر أمنا مما كان يفعله الصينيون والهنود القدماء، لكنها كانت تحمل نفس المشكلة، إذ ماذا تفعل العين، بضوء يدخلها دون مرشد أو دليل أو منظم. من يرسم بالنور صورة الحياة على الشبكية ولا عدسة ثَمَّ تفعل ذلك؟

 

مع اختراع النظارات الطبية، أمكن تركيب نظارات ذات عدسات كبيرة نسبيا، يمكنها أن ترسم جزءا من الصورة، لكنها ثقيلة، مشوَّهة، ومشوِّهة أيضا.

 

ما علاقة كل هذا، بالألمان المستعدين للحرب إذا؟

 كان سلاح الجو الملكي البريطاني هو الحارس الذي صد هجوم الألمان، وحمى بريطانيا وحوّل مسار الحرب كلها، كما كان الحارسَ على العيون الباحثة عن "عدسات" ترى بها النور من جديد.

 

لاحظ هارولد، أن الطيارين الذين جاؤوا إلى المستشفى بإصابات في عيونهم جراء شظايا بلاستيكية من قمرة الطائرات المحطمة، لم تقابِل عيونهم هذه الأجسام الغريبة بأي تفاعل أو التهاب أو رفض، ما جعله يفكر: مادامت العين لا ترفض قطع البلاستيك، ومادام البلاستيك شفافا يسمح بالرؤية، فلماذا لا نحاول زراعة عدسات من نفس هذه المادة في العيون الخالية من العدسات؟!

 

مرت تسع سنوات بعد هذه المعركة، قبل أن يتمكن هارولد من تصنيع أول عدسة صالحة مع شركة راينر، وقام بتجربتها وزراعتها في أول عين عقب جراحة استئصال لعدسة المعتمة، عام ١٩٤٩.

 

أول طيار إنجليزي يصل بالإصابة بالشظايا إلى المستشفى خلال الحرب عام ١٩٤٠ هو جوردون سبنسر والذي أوحت إصابته لهارولد ريدلي باستعمال الأكريليك في صناعة العدسات.

ظلت الجراحات قيد التجريب حتى منتصف عام ١٩٥٠، الذي زرعت فيه أول عدسة دائمة في العين، قبل أن تنتقل هذه الجراحة إلى الولايات المتحدة عام ١٩٥٢، أما اعتمادها من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية باعتبارها آمنة وفعالة فقد جاء متأخرا في عام ١٩٨٢.

 

كان أول طيار إنجليزي يصل بالإصابة بالشظايا إلى المستشفى خلال الحرب عام ١٩٤٠ هو جوردون سبنسر والذي أوحت إصابته لهارولد ريدلي باستعمال الأكريليك في صناعة العدسات، قد فقد بصره جراء هذه الإصابة، ليخضع لجراحة زرع عدسة جديدة عام ١٩٨٧، تعيد له رؤية العالم قبل وفاته بسبع سنوات.

 

أما هارولد ريدلي نفسه، فقد أجريت له جراحة زراعة عدستين في كلتا عينيه عام ١٩٩٠ في نفس المستشفى التي أجرى فيها زراعته الأولي، وعلى يد واحد من تلامذته.

 

لم يكن إنجاز السير نيكولاس هارولد ريدلي المولود في العاشر من يوليو عام ١٩٠٦ والمتوفى في مايو عام ٢٠٠١ في طب العيون قاصرا على إجراء زراعة العدسات في العيون المعتمة، بل تعداه لكثير سواه خلال صحبته للقوات البريطانية في أفريقيا والهند، لكننا نقف هنا، وقد نعود له مرة أخرى. 



حول هذه القصة

أعلن البيت الأبيض أن أندرو بازدر الذي اختاره الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتسلم وزارة العمل سحب ترشيحه، في قرار اضطر إلى أخذه بعد كشف معلومات مثيرة للجدل عن حياته الشخصية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة