الكرامة في طور جديد

شهدت بنغازي سنوات عصيبة منذ منتصف 2012، وجاءت عملية الكرامة بحجة احتواء الأوضاع المتردية فاصطف الغالبية العظمى من سكان بنغازي ومدن الشرق وراءها، وتشكل مجلس شورى ثوار بنغازي، وأيده وقاتل تحت رايته الكثير ممن لا غبار على سيرتهم، وأيد وقاتل مع عملية الكرامة أيضا من لا شك في وطنيتهم، وهنا تكمن المعضلة. وبدل الانتباه إلى خطورة الانقسام، وأن الأزمة تتطلب عقلا مبدعا وصدرا رحبا ونفسية عالية لاحتوائها، اتجها الخيار إلى التأزيم، وإلى العنف، وإلى الشيطنة والكراهية، وصار التشنج والصراخ والتهويل بل والكذب الصراح والتزييف المبرمج هو سيد الموقف، ونتائج وفق هذا المسار لا يمكن أن تكون إيجابية مهما تصورنا أن الانتصار على مجلس الشورى، والمتشددين الذي قاتلوا بجانبه في مرحلة معينة، يمكن أن يقود إلى الاستقرار.

 

اتجه حفتر إلى استخدام العصا والجزرة وأفلح جزئيا في احتواء العاصفة، فيما أخفق مشروع المهدي البرغثي في التعويل على قوة الدولة ممثلة في وزارة الدفاع التابعة للمجلس الرئاسي في إضعاف حفتر ودعم الكتائب والمجاميع التي أنحازت له

المعضلة في الصراعات أنها مع ازدياد أوارها تجنح الأطراف المتنازعة إلى كافة السبل التي ترجح كفتها، ومن ذلك دمج كل من يؤيدها ويعلن الاستعداد لمناصرتها، وكما انفتح مجلس شورى بنغازي على المتشددين المنتسبين لتنظيمات معروفة بحجة أن حفتر اعظم خطرا، كانت عملية الكرامة منفتحة بشكل أكبر والذريعة أن الحرب وطنية وهي مسؤولية الجميع، فكان أن انخرط المؤدلجون دينيا وسياسيا، والجهويون والقبليون، وبقايا النظام السابق، وحتى أصحاب سوابق، وميز كل منهم نفسه بطريقته وعبر تشكيلاته الخاصة، فأصبح تحت عباءة الكرامة أطياف لكل منها توجهاتها وأغراضها ودوافعها، التي في الغالب تتجاوز شعار الحرب على الإرهاب، وتبرز المعضلة مع قرب انتهاء القتال، ولعل بعض مؤشراتها قد ظهرت بوضوح، وقد تناولناها في مقال سابق.

 

ولأن الصراع سياسي وبغايات سياسية تغلف بشعارات وطنية وحتى قيمية، فإنه قابل أن يتحول إلى مواجهات بين الأطراف المتحالفة، والقرائن على إحتمال وقوع ذلك هو الحراك الذي نراه اليوم والذي يبحث فيه الأطراف عن حلفاء حتى مع خصومهم التقليديين.

 

ما وقع في مدينة البيضاء الأيام القليلة الماضية دلالة على ما تحدثنا عنه منذ أكثر من عامين، ولا بد أنه سيراكم ضغينة ستكون قابلة للانفجار يوما ما بين أنصار الكرامة حتى في حال احتواء الأزمة وعدم اندلاع مواجهات بين الطرفين، البراعصة ومن يؤيدهم من جهة، وخليفة حفتر من جهة أخرى.

 

في بنغازي ليس خافيا على أحد أن مجاميع من قبيلة العواقير وفرعها الكبير البراغثة هم في مواجهة مع خليفة حفتر بعد أن كانوا أقوى حلفائه وأبرز أدواته في عملية الكرامة.

 

اتجه حفتر إلى استخدام العصا والجزرة وأفلح جزئيا في احتواء العاصفة، فيما أخفق مشروع المهدي البرغثي في التعويل على قوة الدولة ممثلة في وزارة الدفاع التابعة للمجلس الرئاسي في إضعاف حفتر ودعم الكتائب والمجاميع التي أنحازت له، لكن القبيلة تشهد حالة غليان بسبب ازدياد حالة السخط لدى الشباب وبعض القادة الميدانيين الذين تم تهميشهم خوفا من تغولهم وتشكيلهم طابورا خامسا داخل الجيش وضمن عملية الكرامة.

 

لم يتردد حفتر في موازنة الكتائب التي تنتسب إلى قبيلة العواقير والبراغثة بقوات متنوعة الأصول من الغرب والجنوب وحتى الأجانب خاصة من حركة العدل والمساواة، وفي لقائه مع أعيان ينسبون للجوازي دلالة غير إيجابية لها متعلقاتها التاريخية المريرة، ومع استبعاد أن يتورط الجوازي في تأييد حفتر ضد قبائل برقة، إلا إن التلويح بالورقة مقصود ولغاية محسوبة، ومن المتوقع أن يتجه إلى الخيار نفسه في البيضاء.

 

هناك بقايا النظام السابق وقد ظهر أن فرع منهم التحم بمشروع خليفة حفتر وكان ظهيرا مهما له، لكن المؤكد أن هناك فرع آخر يرفضه ويقاومه معنويا حتى الآن، وحاول أن يمد جسور تواصل مع الأطراف الذي تقف ضد حفتر بمن في ذلك مجلس شورى بنغازي

مشكلة حفتر في هذا الصدد أنه لا يقف فقط ضد طموح بعض نشطاء العواقير في مدينة بنغازي والبراعصة في البيضاء، فقد بات جليا أنه قوض التوجه الجهوي والبرقاوي (الطرح الفدرالي)، وأصبح حجر عثرة أمام أنصار المشروع، وسيكون هذا أحد أبرز عوامل أضعافه، فمن المحتمل أن تشهد المنطقة الشرقية عودة لهذا المسار، بل من المتوقع أن نسمع عن دعوة لجيش ليس هو الجيش الذي يقوده حفتر.

 

على صعيد آخر، هناك بقايا النظام السابق وقد ظهر أن فرع منهم التحم بمشروع خليفة حفتر وكان ظهيرا مهما له، لكن المؤكد أن هناك فرع آخر يرفضه ويقاومه معنويا حتى الأن، وحاول أن يمد جسور تواصل مع الأطراف الذي تقف ضد حفتر بمن في ذلك مجلس شورى بنغازي، وأجزم أن موقف عمر اشكال لا يقف عند البعد الإنساني والمعاناة التي لقيتها الأسر المحاصرة في قنفودة، بل تتعداه إلى موقف ينضوي تحته قطاع من أنصار سبتمبر الذي يرون في حفتر ومقاربته السياسية والأمنية خطرا كبيرا.

 

الخلاصة عندي أن عملية الكرامة والتي تلبست بلبوس مؤسساتي لن تكون قابلة للاستمرار في هذا اللبوس، وهي مرشحة إلى أن تعود إلى أصلها وتشهد تفككا على أسس جهوية وايديولوجية ومصلحية، وقد تتجه إلى صراع مباشر ومعلن، وفي حال تم منع الصدام، وهو الأقرب، فبالقطع النتيجة هي ضعفها والدخول في حالة مراوحة وجمود يقضيان على زخمها. 



حول هذه القصة

خفضت الحكومة المصرية سعر ما يعرف بالدولار الجمركي من 18.5 جنيها مصريا إلى 16 جنيها في محاولة لخفض أسعار السلع في الأسواق، وذلك بعد بلوغ معدل التضخم نحو 30%.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة