القيم السياسية الأربعة

إن الشريعة الإسلامية لم تتحدث عن نظام سياسي موضح ومفصل كما تحدثت عن أحكام العبادات والمعاملات والمواريث، وإنما جاءت بأسس وقيم عامة طالبت بإيجادها في كل نظام سياسي، وعملت على حمايتها والحفاظ عليها، ثم تركت التفاصيل لاجتهادات البشر لوضع الأنظمة التي تحقق هذه القيم وتحميها.

وهذه القيم الأساسية التي طالبت الشريعة بتحقيقها في كل نظام سياسي هي قيم أساسية أربعة وهي: العدل والشورى والمساواة والحرية. فإن أردنا إقامة حكم إسلامي رشيد بعيد عن الشعارات الرنانة والبراقة فلننظر إلى النظام السياسي القائم بغض النظر عن اسم هذا النظام، فإن كانت هذه القيم الأربعة موجودة في هذا النظام نسميه نظاماً إسلاميا راشدا، وإن كانت هذه القيم الأربعة مفقودة فلا يمكن أن نسميه نظاماً إسلاميا راشدا.

العدل 

القيم الأساسية التي طالبت الشريعة بتحقيقها في كل نظام سياسي هي قيم أساسية أربعة وهي: العدل والشورى والمساواة والحرية.

يقول تعالى: "إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرا"، فالله عز وجل أمر بتحقيق العدل في الحكم في عدد من الآيات القرآنية الكريمة وحرم الظلم وجعله من الكبائر، ولكن السؤال كيف يمكن أن يقام العدل وكيف يمكن أن نحققه؟ لن نجد التفاصيل الكثيرة في كيفية تحقيقه سوى خطوط عريضة وعامة لتحقيقه، أما شكل القضاء، وهل هو على درجة واحدة أم درجتين أم ثلاث درجات؟ فهذا كله متروك لاجتهاد البشر والباب مفتوح للعقل البشري والاجتهاد والاستفادة من التجارب البشرية في سبيل تحقيق العدل، فالمهم هو تحقيق العدل بغض النظر عن الأسماء والمسميات. فلو أطلقنا على مؤسسة قضائية اسم القضاء الإسلامي أو القانون الإسلامي، ثم كانت هذه المؤسسة مليئة بالظلم! فهل استجبنا لأمر الله تعالى بتحقيق العدل؟! وهذا المعنى عبر عنه ابن تيمية رحمه الله عندما قال بأن الله يقيم الدولة الكافرة إن كانت عادلة ولا يقيم الدولة المؤمنة إن كانت ظالمة.

الشورى
الشورى من أهم القيم السياسية في الإسلام، وقد أمر الله عز وجل بها في آيتين من القرآن الكريم فقال: " وأمرهم شورى بينهم" وقال: "وشاروهم في الأمر" وسمى سورة كاملة في القرآن الكريم باسم "الشورى"، و لكن ما هي تفاصيل الشورى ومؤسسات الشورى، وكيف يمكن أن نحقق الشورى؟ إن بحثنا في كتب السياسة الشرعية لن نجد إلا خطوطا عامة عن الشورى بالرغم من أهميتها في نظام الحكم الإسلامي، أما التفاصيل فقد تركت للجهد والعقل والتجارب البشرية، للوصول إلى أفضل نظام ممكن لتحقيق هذه القيمة المهمة، سواء كان مجلسا واحدا للشورى أو مجلسين فلا حرج من ذلك. ولا حرج من إطلاق أي اسم على هذه المؤسسات (مجلس الشعب أو البرلمان…) المهم أن تتحقق الشورى في هذه المؤسسات.

 المساواة

اعتبر الفقهاء الحرية من مقاصد الشريعة الإسلامية، وقررت الشريعة الإسلامية حرية الفكر والعقيدة والرأي فقال تعالى: "لا إكراه في الدين"

وقد جاءت الآيات الكثيرة التي تبين أن الناس من أصل واحد، وأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، ولا فضل لذكر على أنثى ولا لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي ولا لملك على عبد. وكانت التطبيقات النبوية تمثل أرقى صور المساواة بين البشر. ولكن كيف يمكن أن نحقق المساواة وما هي التفاصيل؟ هذه أيضا متروكة للتجارب البشرية والجهد البشري الذي يتوصل إليه الإنسان، فهل تتحقق المساواة في الفصل بين السلطات؟ وهل تتحقق بإيجاد معايير في المجتمع لتحقيق المساواة والمواطنة؟ كل هذا متروك للبشر، المهم هو تحقيق المساواة بينهم.

 الحرية
وهذه القيمة التي سفكت دماء كثيرة لتحقيقها، وجاءت الشريعة الإسلامية لتبين أن كل إنسان يولد حراً ولا يجوز استعباده، بل اعتبر الفقهاء الحرية من مقاصد الشريعة الإسلامية، وقررت الشريعة الإسلامية حرية الفكر والعقيدة والرأي فقال تعالى: "لا إكراه في الدين" ولكن تفاصيل الحرية وكيف يمكن تحقيقها كذلك متروك لاجتهاد البشر وللتجارب البشرية، فهل تتحقق من خلال إيجاد مؤسسات وفرض عقوبات على من يستعبد الناس ويقيد حرياتهم؟ الباب مفتوح لإنشاء مؤسسات وأحزاب لتحقيق قيمة الحرية وحمايتها بين الأفراد، المهم أن تكون هذا القيمة متمثلة في النظام السياسي القائم.

الشريعة لإسلامية لم تتكلم عن تفاصيل كثيرة في السياسة الشرعية، وإنما تكلمت عن قيم سياسية أربعة متى تحققت هذه القيم السياسية نستطيع أن نطلق على هذا النظام بأنه نظام إسلامي ومتى انعدمت هذه القيم لا يمكن وصف النظام بأنه نظام إسلامي. ويجب على المؤسسات الإسلامية العمل على إيجاد معايير لهذه القيم لتقيس مدى تطبيقها في المجتمعات، حتى تحقق الرفعة والتقدم لها لأن هذه القيم "العدل والشورى والمساواة والحرية" إن وجدت في أي مجتمع من المجتمعات فهو مؤشر على تطورها وتقدمها ورشدها، وإن انعدمت في أي مجتمع فهو مؤشر على تخلفها وضعفها وفسادها.



حول هذه القصة

اتهمت منظمة أطباء بلا حدود الجيشين الروسي والسوري بقصف مستشفيين شمال شرق سويا في فبراير/شباط من العام الماضي، أحدهما مرفق كانت تدعمه، وقد استندت المنظمة إلى تحليل عدد من التسجيلات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة