الأطفال في أرطغرال

(قدوتنا المرأة المسلمة وسيرة الصحابيات وليست المسلسلات)! هذه إحدى العبارات تعليقا على مقالي السابق، المرأة في أرطغرال، وهي صحيحة مئة بالمائة لكن المغزى هنا مختلف، فالمأمول هو توظيف أعمال جاذبة للجمهور لتسليط الضوء على بعض القيم التي جسدتها الدراما، في حين غابت أو انعكست في أغلب الأعمال. لسنا نجعله مرجعيه تربوية ودينية أو قدوة بقدر ما نلفت النظر، ونوجه البوصلة إلى تفحص ما يعرض ولتطوير مهارات النقد الإيجابي الذي يجعل المشاهد يتحكم بالشاشة لا تتحكم به، واستكمالا لهذا يأتي مقالي الثاني في نفس السياق ولكن بمضمون الأطفال في أرطغرال.

بالرغم من أن ظهور الأطفال في هذا العمل الكبير كان بسيطا للغاية، يكاد يصل للعدم في كثير من الحلقات سواء بالصورة أو بالإشارة، فلم يفهم من السياق وجودهم في تلك العائلة، أو تلك مما وضع المتابع أمام سؤال يقتضي البحث ما هو سبب قلة الإنجاب لديهم؟ هل الحرب اشغلتهم أو أخافت مصير مستقبلهم أم انهم كأمة تركية في مرحلة تشرذم حرجة لديها معايير تحدّ من الإنجاب؟ وهو ما يناقض التأكيدات اللفظية الكثيرة في الاعتزاز بكثرة النسل والترقب الشغوف لأكبر عدد من الأطفال. أرطغرال مثال.

حماة الوطن الحقيقيين تتم صناعتهم على العين طفولة آمنة، حب في المهد وحماية في كنف أسري في ظل أم رؤوم وإن لم تكن ولدتهم وأب يرعاهم في ساحات التدريب وسيد يعاملهم كأخ لا أتباع.

مع هذا فإن النزر اليسير من ظهور الأطفال إلا أنه أظهر زخما تربويا عميقا، أراده صانع العمل يقينا لأن جميع المشاهد جاءت لتأكد مفاهيم محددة واضحة في نهج تربوي متين.

من خلال المشاهد التالية نسلط الضوء على تفاصيل ذاك النهج التربوي:
 
أولا: أورالي الطفل اليتيم الذي فقد والداه خرج إلى الكاميرا يرمي أحد المحاربين حجرا، مما جعل الأخير مستفزا لدرجة اللحاق به للانتقام فيتصدر العجوز ديمريل لحمايه الطفل ورعاية يتمه بل الأهم هو القدرة على قراءة السلوك بعين الخبير وبعين المتفحص، فقد أدرك أن جرأة ولد بعمر الخامسة ليست أمرا عابرا صحيح أن الأمر يستوجب التوجيه، وفي الوقت نفسه أنبأ عن قيادة مستقبلية لامعة فلا شك أنه يمتلك الموهبة.

التقط الحداد الرسالة فقرر رعايته كمحارب صغير، بل سمح له بمعايشة الكبار والجلوس في مجالسهم واستماع حديثهم ومشاركتهم بأفكاره ولغته البسيطة، وتم اشراكه في العمل واسناد مهام حساسة له فلن يشك أحد بطفل يمر قرب خيمة السجن. باختصار تم تعهده كقائد مستقبلي بالتنشئة العملية والمعايشة لمحاضن القيادة وليس بالتنظير.

ثانيا: في مشهد الاحتفال بختان أورالي بدا للعيان تضافر الجهود المجتمعية لرعاية الأطفال وليس مقصورا على العائلة الصغيرة وربط الأمور الاعتيادية بمعاني تشعر بالفخر وتمحو الألم، بل واستخدام روابط مادية تجعله مفخرة فبحصوله على سيف كهدية والاحتفاء الذي مني به في ساحة القبيلة واللبس المميز، جعله مقبل ومتحمس بل اصبح امنيه في عيون غيره من الأطفال.

ثالثا: التربية بالقصة، فالحكايات التي كان يرويها أحد المحاربين الأبطال وليس شخصا هامشيا لم تكن تسلية فقط، فلو دققنا السمع لرأيناها تحكي عزا وتشعل فخرا وترفع عزيمتهم في جرعات تدريب لا تمنحها إلا ساحات السيف الفعلي وقصصي مثله أذن حكاياه لم تكن لجرندايزر أو البطل الخارق ذو السلاح الليزري، ولم تكن الاميرة النائمة أو العصا السحرية كانت لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وارسلان الب وأوغوز وغيرهم من صانعي التاريخ الحقيقي وبانيّ المجد، والاهم سيرة المصطفى عليه السلام الذي يجعلهم بلا شك يعيشون الحالة ويتلبسونها في مخيلتهم الخصبة.

رابعا: لو عدنا للوراء قليلا وتساءلنا عن الطفولة التي عاشها أهم ثلاثة محاربين، والاداة البارزة في عوامل النصر في كل المعارك التي خاضها ارطغرال تورجوت دوغان وبامسي، وما هي خلفيتهم الاجتماعية؟ لوجدنا أن ثلاثتهم فقدوا عائلاتهم ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ احتضنهم البيت الرئيس ربتهم سيدة القبيلة الأولى هايماه كأبناء لها، لم يقذفوا في ملجأ ولا لمعسكر تدريب يأويهم ويصقل مهاراتهم كمحاربين، وقد يكون هذا معقولا بل ودارج في الحروب.

لكن الرسالة التي أرادت أن تصل الينا أن حماة الوطن الحقيقيين تتم صناعتهم على العين طفولة آمنة، حب في المهد وحماية في كنف أسري في ظل أم رؤوم وإن لم تكن ولدتهم وأب يرعاهم في ساحات التدريب وسيد يعاملهم كأخ لا أتباع. نواتج تلك العوامل مجتمعة يصنع الجنود الأوفياء الذين يقاتلون بعقيدة وسيفهم قاطع وقلبهم رقيق وأرواحهم مرحة وإنسانيتهم نابضة مشتعلة. في حراسة هؤلاء، ينام السيد لا يخشى انقلابا ولا انفلاتا فصناعة المحاربين الأشداء كان سرها في البيت والمجتمع الذي رعاهم وما ظلمهم أطفالا.

العظماء والفاتحين ولدتهما التنشئة والمحاضن التربوية الأسرية والقبلية والمجتمع المكمل. القادة يصنعهم المجتمع وهم بعد ذلك يردون الجميل تمكينا وتمجيدا.

خامسا: السيد المحارب والأب المشغول المترحل دوما، لم يكن يبخل على المشاهد باقتناص أولى الفرص مع ابنه وملاعبته ومصاحبته ففي اللفة يحمله ويلثمه ويحاكيه وفي سن اللعب يبارزه في دوره المستقبلي ويغرس القيم في أعلى نقطة لامتصاصها، فحين استسلم الأب قام غندوز عليه ليصرعه، ولكنه أوقفه قائلا عندما يستسلم الخصم يتوقف القتال، تلك أخلاق المعركة. ولا أظن لغوندوز الطفل أن ينسى هذا ما حيي، تلك ما نسميها التربية بالموقف ولا تكون الا بالمصاحبة ويستحيل أن يزرعها أب مشغول أو لاه عن أولادة في حياة الكدر والعمل.

سادسا: وقع غوندوز وسال دمه، والأم بعاطفتها تركض إليه تحميه من غبار الأرض وجروح الصخر ويملأ وجهها الذعر والخوف، ومشاعر يعرف كيف يقرأها ويستثمرها، فتزيد الآمه ويعلو صياحه فتظهر الجدة الحكيمة ملاعبة إياه تقلل من شأن الجرح، موجهه كنتها إلى ضرر الإحاطة المطلقة بالطفل وترك مساحة للألم والتجربة والمواجهة.

وذلك لاشك عنوانا ركيزة في التربية والذي من شأنه أن ينتج مواطنا قويا معتمدا على نفسه متزنا نفسيا وغير أناني يتمركز حول ذاته منتظرا هبة المحيط لرعايته وحل مشاكله مهما دقّ شأنها، والتي ستكون مبالغ فيها ومضخمة بالقدر الذي كان يراه في ملامح الرعب والخوف في وجه والديه حتى قبل أن يخطو ولن يلجأ إلى ابتزاز الآخرين، والذي يكون قد طوره من اصطناع الألم والحاجة استغلالا للرعاية المفرطة من والديه أو اجداده.

سابعا: شهود الأطفال ميادين التدريب ذكورا وإناثا متفرجين أو متدربين في ساحة الميدان باليد والقوس والنول، آلة النسيج لامتلاك مهارة الرجال المحاربين وإبداع النساء الماهرات وليس في القاعات المغلقة بليدة الإنتاج، مع ملاحظة خضوع الفتيات للتدريب على القتال ومرافقة الأبناء للأمهات إلى المشغل.

وغيرها من قواعد التربية التي تجلت محكمة ومدقّفة بدقة أكثر من مجرد سيناريو أو مشاهد مكملة، فحادثة وقوع ابن أرطغرال وما تلاه بدا خارجا عن السياق، إذ ظن المشاهد للوهلة الأولى أن هناك أمر يتعلق بأمن القبيلة قادم.

خلاصة أسجلها، أن تميز الأمة التركية وصناعتها لأقوى الدول وحضارتها الممتدة والمشهود لها بقوة الشكيمة وصناعة انتصارات إسلامية عديدة على مدى التاريخ ليست وليدة ارطغرال، أو سليمان شاة، ولا أي عظيم سابق أو لاحق، وإنما هما وغيرهما من العظماء والفاتحين ولدتهما التنشئة والمحاضن التربوية الأسرية والقبلية والمجتمع المكمل. القادة يصنعهم المجتمع وهم بعد ذلك يردون الجميل تمكينا وتمجيدا.

إن بناء الدول والأمم ترتكز على متانة النشء في مهده!!



حول هذه القصة

اتهمت منظمة أطباء بلا حدود الجيشين الروسي والسوري بقصف مستشفيين شمال شرق سويا في فبراير/شباط من العام الماضي، أحدهما مرفق كانت تدعمه، وقد استندت المنظمة إلى تحليل عدد من التسجيلات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة