شعار قسم مدونات

البنوك الإسلامية.. الواقع والتحديات

blogs- البنوك الإسلامية

تشكل البنوك عصب الاقتصاد الرأسمالي، فهي المحفظة التي تستقطب الفائض النقدي في السوق مقابل فائدة محددة مسبقا لتعيد اقرضاها بفائدة أعلي تحقق ربحية المالكين، أضف إليها منظومة من الخدمات المالية المتشابكة والتي تزداد تعقيدا لتخدم جميع فئات المجتمع والتي أصبح الاستغناء عنها ضربا من الخيال والهرطقة.
 

ولما كان منطق هذه البنوك أنها اعتبرت المال سلعة تباع وتشترى بالشكل الآجل ويؤجر بالإقراض الربوي وهو ما حرمته الشريعة الإسلامية التي رأت في المال قيمة للمنتجات ووسيط للتبادل يسهل التعامل اليومي وهو ما أدركه الاقتصادي الفرنسي جان بابتست ساي أحد أبرز أنصار المذهب الحر في القرن التاسع عشر والذي تميزت أفكاره بالتحديد والتحليل العميق للظواهر الاقتصادية، ما أطلق عليه قانون المنافذ الذي يتلخص بأن "العرض يخلق الطلب الخاص" أي أن الناس يعرضون خدماتهم من أجل الحصول على أكبر دخل ممكن، الذي يسمح لهم باقتناء أكبر كمية ممكنة من السلع والخدمات، وعليه يندرج سلوك الاقتراض ضمن فكرتين أساسيتين هما البحث الدائم عن أكبر تعظيم للمنفعة، وأن المنفعة المباشرة للنقد معدومة.
 

يرى ساي أن النقد حيادي، أي لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على المتغيرات الاقتصادية الحقيقية بالإضافة إلى ذلك فهو عديم المنفعة أي أن النقد لا يحتفظ به لذاته، وأن الدور الوحيد له في الاقتصاد ذو طابع تقني ألا وهو تسهيل المعاملات، والاحتفاظ بجزء من الدخل في شكل نقد سائل هو سلوك غير عقلاني فالعائد على الاستثمار هو لإعادة استثمار وهو ما يحققه قانون ساي.
 

سمة تقاسم المخاطر وحظر المضاربات في العقود الآجلة تشير إلى أن التمويل الإسلامي قد يكون من حيث المبدأ أقل خطرا على النظام المالي من التمويل التقليدي.

لم يكن ظهور البنوك الإسلامية كمؤسسات مالية تقدم البديل للمعاملات التقليدية بل لخلق نظام مصرفي مستمد من مبادئ الشريعة الإسلامية التي تنظم حياة الفرد والمجتمع والدولة بما يحقق الهدف الأسمى من استخلاف الله للإنسان في الأرض، لذلك تتمحور منهجية البنوك الإسلامية أنها صيرفة تشاركية توفر السيولة النقدية للمشروعات الاستثمارية الحقيقية وهي التي تحقق الشق الثاني للوظيفة الائتمانية "قبول الودائع" فيرتبط المستثمر "المودع" والبنك في شراكة تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من الربح يسمح به السوق والحد من المخاطر في ظل تنافسية تسعى إلى إيجاد الفرص الملائمة وخلق الآليات والأدوات التي تلبي احتياجات جميع فئات المجتمع من الأفراد والشركات والمؤسسات مما يدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما لا يتنافى مع الضوابط الشرعية.
 

حققت صناعة التمويل الإسلامي نموا سريعا وإن كانت لا تزال تمثل نسبة صغيرة من نشاط السوق المالية العالمية، فقد زاد نفاذ الصيرفة الإسلامية في أسواق الكثير من أعضاء صندوق النقد الدولي حتى أصبحت من الأنشطة المؤثرة على النظام في آسيا والشرق الأوسط، وإذ تبلغ الأصول التي يتولى قطاع الوساطة المالية الإسلامية إدارتها في الوقت الراهن 2 تريليون دولار أمريكي تتوزع على أكثر من 500 مؤسسة مالية من شأنها المساهمة بدرجة أكبر في ثلاثة أبعاد تنموية:
 

أولا: يبشر التمويل الإسلامي بمزيد من الإدماج المالي أي توسع قاعدة الزبائن في الدول المسلمة.
ثانيا: التركيز على التمويل المضمون بالأصول وتقاسم المخاطر يعني أن التمويل الإسلامي من شأنه دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة واستثمارات البنية التحتية العامة.
وأخيرا فإن سمة تقاسم المخاطر وحظر المضاربات في العقود الآجلة تشير إلى أن التمويل الإسلامي قد يكون من حيث المبدأ أقل خطرا على النظام المالي من التمويل التقليدي.
 

البنوك الإسلامية لم تصل بعد إلى الكمال في نظامها المالي تماما كالبنوك التجارية التي مر على تأسيسها ما يزيد عن ستة قرون والتي ما زالت تتعلم من تجاربها.

هذه المنظومة الإسلامية فرضت نفسها على القطاع المصرفي العالمي وهي تسابق الزمن في سرعة مضطردة لكسب المزيد من العملاء وطرح عديد المنتجات التي تواكب روح العصر ضمن ضوابط أخلاقية تحقق الرفاه للمجتمع، فعلى خلاف البنوك التقليدية التي تعمل على أساس الاقتراض والإقراض بأسعار فائدة سابقة التحديد، يأتي تمويل البنوك الإسلامية من الحسابات الجارية التي لا تدر فوائد أو حسابات الاستثمار المشاركة بالأرباح حيث يحصل صاحب الحساب على عائد يتحدد لاحقا حسب ربحية البنك، وتستخدم البنوك الإسلامية عددا من العقود مثل عقد البيع مع هامش الربح "المرابحة" والإجارة المنتهية بالتمليك والمشاركة بالأرباح والخسائر "المضاربة" التي يتعين فيها وجود أصل أساسي في كل أعمال الصيرفة القائمة على البيع والتأجير كذلك تمويل الخدمات كالعلاج والتعليم والسياحة.
 

البنوك الإسلامية لم تصل بعد إلى الكمال في نظامها المالي تماما كالبنوك التجارية التي مر على تأسيسها ما يزيد عن ستة قرون والتي ما زالت تتعلم من تجاربها، لعل الأزمة المالية الأخيرة أو ما تعرف بأزمة الرهن العقاري التي عصفت بمعالم المنظومة الاقتصادية العالمية، أبرز دليل على ذلك مما يدفعني لاقتباس ما قاله أستاذ الاقتصاد في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دورهام بإنجلترا في مقاله الأعمال المصرفية الإسلامية فرصة أم تهديد "مع تزايد عدد الغربيين الساخطين أو المرتابين من الخدمات المصرفية التي يلقونها، ويعتبرونها غير منصفة أو حتى منافية للمبادئ الأخلاقية، يؤدّي بروز الأعمال المصرفية الإسلامية ذات المبادئ الأخلاقية الخاصة بها في إظهار ناحية أكثر إيجابية للإسلام".
 

حداثة تجربة البنوك الإسلامية وما يترتب عليها من قلة الوعي وضعف الثقة بالدرجة المطلوبة تستوجب علينا الاتجاه نحو نوعين من الاستثمار: أما الأول فهو الكادر البشري المؤهل الذي يندمج في السوق ويتعامل معه بذكاء ويطور المنتجات والخدمات المصرفية بما يحقق المنفعة المشتركة لأصحاب المصالح، أما الاستثمار الثاني فهو رأس المال الذي يستوجب ضخ المزيد من السيولة النقدية في هذا الاتجاه لإنجاح هذه المنظومة الأخلاقية.
________________________________________
المصادر:
التمويل الاسلامي ودور صندوق النقد الدولي.
مؤتمر صندوق النقد الدولي : التمويل الاسلامي تلبية الطموحات العالمية.
كلمة منسق المؤتمر الدكتور أنانثا كريشنان براساد.
نائب رئيس قسم مجلس التعاون الخليجي التابع لإدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.