في قيام حكومة عالمية

blogs- أعلام

يمكن أن نجادل أن لفكرة الحكومة العالمية من الأصول الدينية ما لا نظير له في السلوك السياسي؛ ذلك أن الدين ينفرد بمتعلقاته الأخلاقية في الفرد بما هو كائن متحيز عن السمات العنصرية. إن فكرة الأمة في الدين الإسلامي على سبيل المثال هي إحالة على الحاجة إلى قيام حَكَامة عالمية. ومما لا شك فيه أن التداول في إمكان كيان عالمي مُوحّد القيادة هو احتمال يشترط التفصيل في تطبيقاته السياسية الممكنة، ذلك أن التجربة الحالية التي تمثلها الأمم المتحدة تعدّ نموذجًا مقنعًا للشر الكامن في احتمال قيام كيان سياسي عالمي واحد.
 

يعدّ لويس مازيش (Louis Mazas) واحدًا من المؤرخين الذي يميلون إلى أن الوضع الاجتماعي البشري آيل إلى حضارة واحدة، وفي كتابه "الحضارة ومضامينها" حلل فكرة "الحضارة" كادعاء تدعيه كل المجتمعات تقريبًا، وتطرّق إلى الأصول الفلسفية للقدماء والمحدثين من المفكرين، والآراء السياسية المتعصبة لزعماء الدول وساستها، ثم خلص إلى أنّ علينا الاستغناء عن استعمال مصطلح الحضارة، والتركيز على مفهوم للعملية التحضرية بهدف قيام حضارة عالمية واحدة مشتركة تعدّ نتاجًا جماعيًّا للجنس البشري بكامله.
 

كتب المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي يقول: إن الفردوس الأرضي الذي أقامه حذق الإنسان الصانع في مهارة فائقة قد أحالته ضلالة السياسي إلى جنة للحمقى

لقد أسفرت العولمة عن تذويب طبقات هائلة من التمايزات السوسيوثقافية، ونجد أن الأنثروبولوجي توماس هايلند إركسن (Thomas H. Ericsson) قد استعمل في كتابه "العرقية والقومية" مصطلح "اللاعرقي" ليعبر عن إنسان ما بعد العولمة الذي غلبت ملامحه العولمية المكتسبة على ملامحه القومية والعرقية الأصلية، ويؤكد أن "من سمات العالم المعاصر أن يظهر الناسُ أكثر تماثلًا وأكثر اختلافًا في الوقت نفسه بفعل قوى الحداثة والعولمة" ما يعني أن الناس من مختلف انتماءاتهم الجغرافية والخلفيات الإثنية والدينية والثقافية قادرون اليوم على التواصل بفعالية أكبر مما كان الأمر عليه في أي وقت مضى.
 

وإذا كان مصطلح الحضارة يعني فعليًّا المدنية المعاصرة بأبعادها العلمية والصناعية والتقنية التي تتمايز فيها المجتمعات تفاوتًا وتقاربًا، فقد ذهب البروفيسور علي عزّت بيجوفيتش (Ali E. Begovic) إلى اقتراح استبداله بمفهوم آخر هو "المدَنيــة"، وذلك إشارة منه إلى الأبعاد الإنسانية للحضارة سواء كانت ثقافية أو دينية أو فنية، وهو ما يتوفر في "الحضارة" الغربية الحالية -على وجه الخصوص- التي تسير في طريق تذويب ثقافات الآخرين ضمن وحدة واحدة معولمة، وتواجه الأديان الأخرى بدعوى علمنة الفضاء المشترك عبر اكتساح السوق العالمية بشتى الأصناف الفنية المبتكَرة التي لا تنطق بالمشتركات الإنسانية المتنوعة.
 

ومما لا شك فيه أن الواقع السياسي الدولي يثبت أن هناك مشتركات كثيرة جدًّا بين المجتمعات عامة مما يحفز نشوء حضارة كوكبية واحدة. إن الحكومة العالمية ليست صيغة عولمية، أي ليست تطبيقا سياسيًّا للعولمة الحالية. يستمد بعض الكتاب قياسًا تمثيليًّا من التاريخ الأمريكي فيطلبون من الأمم أو الدول اليوم أن تشترك معًا كما فعلت المستعمرات الثلاث عشرة، ومثلما أدى تطوير اقتصاد وطني أواخر القرن التاسع عشر إلى نمو سلطة حكومة اتحادية في واشنطن فإن تطوير اقتصاد عالمي سيتطلب سلطة اتحادية على صعيد عالمي، ويتقوى هذا الرأي حين يستند إلى رأي آخر يقول بأن هيئة الأمم المتحدة هي الجوهر المركزي الأوليّ.
 

ولكن القياس الأمريكي مضلل كما يعلق جوزيف س. ناي (Joseph Nye) صاحب كتاب "مفارقة القوة الأمريكية" على هذا التشبيه بحكم انعدام المشتركات التي كانت بين الولايات الأمريكية وعلى رأسها اللغة الإنجليزية، ورغم هذا لم تستطع الولايات المتحدة أن تتجنب الحروب الأهلية، غير أن هذا الرأي يمكن أن يتلقى نقدًا يتمثل في أن المشتركات لا يمكن أن تقتصر على اللغة رغم أن التقدم العلمي واكتساح اللغة الإنجليزية للفضاء التواصلي العالمي قد غيّر كثيرًا من سمات مشهد التنوع اللغوي. يمكن أن نؤيد رأي ناي في أنه بدلًا من التفكير في حكومة عالمية ذات تسلسل هرمي ينبغي أن نفكر في شبكات -من حسن الإدارة- تتقاطع وتتعايش مع عالم مقسم رسميًّا إلى دول ذات سيادة.
 

في الجزء الرابع من مختصر دراسة للتاريخ كتب المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي يقول: "إن الفردوس الأرضي الذي أقامه حذق الإنسان الصانع في مهارة فائقة قد أحالته ضلالة السياسي إلى جنة للحمقى". ثم يتبرم توينبي من عجز الأمم المتحدة -التي يسميها "برلمان الإنسان"- عن خلق حكومة عالمية، وينتبه توينبي للتمايز بين اتحاد لدول مستقلة ضمن الأمم المتحدة وبين اتحاد لشعوب تحت حكومة واحدة. يمكنني أن أدعم رأي توينبي حين أعطي مثالًا بالتغيرات التي ستنجم عن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي -في حالة تحققه-، فبالنظر إلى عدد سكانها الضخم -78 مليون نسمة- ستكون ثاني أكبر بلد أوروبي بعد ألمانيا.
 

إن كوكبنا يعيش فعلًا انتقالًا نحو تحقيق تجانس حضاري لم يسبق له مثيل، تجانس يمكن أن نصفه اختصارًا بأنه لا ينفصل عن الطبيعة الإنسانية، مُشبّع إلى حد كبير بسوء النيات

وبحساب التوقعات فإن ألمانيا ستتراجع لصالح تركيا بفعل اختلال ميزان تزايد السكان، وحيث إن سياسات الاتحاد تتأثر بشكل كبير بعدد السكان فإن عضوية تركيا ضمن 29 عضوًا في الاتحاد سيؤدي إلى حصولها على أكبر مجموعة من أعضاء البرلمان الأوروبي، بحيث يصبح تصويتها متحكمًا في كافة القرارات الإستراتيجية للاتحاد. وبمقارنة هذا الوضع ضمن سياق عالمي يمكن أن نضيف عوامل إضافية من بينها القدرات التصنيعية والعسكرية والتقنية لنصل إلى أن هناك عددًا كبيرًا من الدول المرشَّحة لنيل أدوار ريادية كبرى ضمن الحكومة العالمية المحتملة.

وبغض النظر عما قد ينتج سياسيًّا عن التسليم بمقولات كل من المحذِّرين من قيام حكومة عالمية شريرة أو المبشِّرين باتحاد عالمي يجمع شعوب الأرض فإن كوكبنا يعيش -فعلًا- انتقالًا نحو تحقيق تجانس حضاري لم يسبق له مثيل، تجانس يمكن أن نصفه -اختصارًا- بأنه لا ينفصل عن الطبيعة الإنسانية، مُشبّع -إلى حد كبير- بسوء النيات كأنما هو يختصر المعضلات الفلسفية الثابتة: الخير والشر، الحق والباطل، النور والظلام.