في زمن الرؤساء عبدالناصر والسادات لم تكن هناك صحافة خاصة ولذلك فقد كان يعيش الإعلام المصري في أزهى أوقاته حيث كان الإعلام مضبوطا ببوصلة الدولة، ولذلك فقد كان الإعلام يتمتع بقدر كبير من المسؤولية وكان المحتوى يخضع للمراقبة والفلترة وظل هذا الوضع حتى الفترات الأولى من زمن الرئيس مبارك وهو الرئيس الذي سمح بوجود الإعلام الخاص في أواخر عهده خصوصا مع إطلاق القمر المصري نايل سات، ولما كان هذا الإعلام تجاريا يبحث عن النشر والإعلانات كان هذا الإعلام سوقيا يبحث عن قضايا الإثارة التي تحشد لها أكبر عدد من الناس، وبالتالي تلاشت منه تلك القيود والضوابط التي كانت موجودة في الإعلام الحكومي وانكشفت سوءته فأصبح أداة للتشويه والتحريض.
كنت أتابع في الأسبوع الماضي مباراة مصر والكاميرون في نهائي أمم افريقيا في أحد المقاهي الشعبية وعندما تقدمت مصر بهدف النني صفقت فرحا وصفق معي عدد قليل من المتابعين في المقهى الممتلئ بالمشجعين وعندما تعادل الكاميرونيون وأحرزوا التقدم سمعت التصفيق والتصفير تعبيرا عن السعادة لأغلبية الحاضرين في المقهى، ولما انتهت المباراة قمت بجولة وسط المقهى لأسأل رواده لماذا شجعوا الكاميرون؟ كانت الإجابة تتلخص في أمرين:
| عندما نشجع على أساس الكراهية فإننا ندمر الشيء الجميل في الرياضة وهي أنها تجمع رجال من عرقيات وأشكال مختلفة في المستطيل الأخضر ليسعدوا الجماهير. |
الأولى: أن المصريين" حقاريين، بيشتمونا في إعلامهم" وذكروا لي أسماء توفيق عكاشة وإبراهيم حجازي وما ذكروه عن السودان من إهانات.
والثانية: قضية حلايب. فقلت لنفسي ربما تكون حالة نفسية عند السودانيين فقط فدخلت إلى مواقع التواصل لأجد أمر صادماً وهو احتفالات في مواقع التواصل في صفحات الجزائريين والتوانسة والمغاربة والخليجيين بهزيمة مصر، هذا ما جعلني في البداية أعتبر أن ما يحدث من تشجيع الكاميرون هو علامة حقد وحسد لأن مصر كانت ستفوز بكأس أمم افريقيا بينما تم إقصاء هذه الدول في الأدوار التمهيدية.
ولكن تبين أن القضية ليست رياضية فقد كانت المفاجأة لي هي احتفالات المصريين أنفسهم بالهزيمة لدرجة أن أحد أصدقائي في الخليج قال لي أن بعض المصريين هناك وزعوا الحلوى احتفالا بالهزيمة، وكل هؤلاء يقولون بصوت واحد نحن فرحين وشامتين في الإعلام المصري الذي حاول حشد الناس في المباراة لتشجيع مصر ليجعلوها قضية وطنية ويغبشوا الوعي مثلما فعلوا في 2010م.
تعتبر أحداث 2010م جريمة من جرائم نظام مبارك الذي رعى وبدعم من علاء النجل الأكبر لحسني مبارك أسوء عملية قصف إعلامي عشوائي في تاريخ الإعلام العربي، فقد ترك الإعلام المصري ساعات كاملة من البث المستمر للشتائم في حق الجزائر والجزائريين ولمستوى منحدر جدا وبكلام عنصري قميء، وذلك رداً على ما قيل في وقتها أنه اعتداءات مشجعي الجزائر على مشجعي مصر في السودان بعد نهاية مباراة تصفيات كأس العالم التي أقيمت في استاد المريخ بأم درمان، وتسببت هذه الموجات من القصف العشوائي المصري في أن يصطف المغاربة -من ليبيا إلى موريتانيا- صف واحداً خلف الجزائر خصوصا أن الإعلام المصري كان يركز الإساءة إلى عرقية الأمازيغ "البربر" والتي تمثل نسبة وازنة في هذه الدول، وبالطبع لم تنسى هذه الشعوب إساءات الإعلام المصري ولذلك فإنها اصطفت خلف الكاميرون.
أما بالنسبة للسودانيين فإن الإعلام المصري لديه موقفين من السودان يوضح مدى نفاقه وعنصريته مع السودان:
أولا: عند الحديث عن قضية حلايب، فرغم أن مصر لا تمتلك أي وثيقة تثبت أحقيتها بحلايب فإن المذيعين المصريين يوجهون وابلا من الإساءات للسودان من قبيل عدم الاعتراف بالسودان، وحتى دعوة الجيش المصري لاحتلال كل السودان، في حين أن نفس الإعلام يدافع باستماتة عن سعودية تيران وصنافير التي تقول الوثائق الدامغة أنها أراضي مصرية مما يقطع أن السبب الحقيقي لجرأة المذيعين المصريين على السودان.
هي نظرة ازدراء أساسا ًوهذا ما يدفع السودانيين لاستمساك بحلايب بشكل أكبر، فرغم أن هناك مشكلة حدودية بين السودان وأثيوبيا حول منطقة الفشقة فإن الإعلام الأثيوبي لم يوجه أي إساءات للسودان، بل إنه يطرح الرؤيتين بشكل موضوعي ثم يناصر موقف بلده دون أن يسيء للسودان أو يذهب ليصور في الفشقة صور تسيء للسودان مثلما يفعل الإعلام المصري في حلايب.
وأما ثانيا: فالإعلام المصري يصر أن يروج أن السودان بلد عديم القيمة وفقير وشعبه جاهل ومليء بالمجاعات وأن السودانيين هم مجموعة من البوابين عديمي القيمة، ولذلك فقد اصطف السودانيين خلف الكاميرون وتمنوا لها النصر أملا أن يشاهدوا الضيق والاكفهرار في وجوه سدنة الإعلام المصري.
وأما أبناء الكنانة ممن شجعوا الكاميرون فقد كرهوا أن يروا إنجازا في عصر السيسي حتى لو كان رياضيا، ولأن الرياضة كانت أداة نظام مبارك في جمع الناس خلف علم مصر وخلف الرئيس فقد تمنوا هزيمة المنتخب المصري لأن فوزه كان سيخلق اصطفافا وطنيا زائفا يصنعه الإعلام حسب ما قالوا.
| من اختاروا أن يشجعوا نكاية في السيسي فقد أخطؤوا النجعة وحملوا الأمر أكثر مما يحتمل لأن الأمر في النهاية لم يكن مباراة حربية، ولم يكن السيسي أحد اللاعبين الـ 11 في الفريق المصري. |
أنا عن نفسي شجعت الفريق المصري لكرة القدم رغم أنني كان لدي نفس التحفظات على الإعلام المصري وعلى الحكومة المصرية وعلى قضية حلايب لأنني أعتبر أن الموقف المتشنج من الفريق المصري هو نتيجة حملة كراهية، ولأن الرياضة أداة للتواصل والتفاهم بين الشعوب والثقافات وهي لغة للتفاهم والتعاون وغير خاضعة لمنطق الولاء والبراء الذي يحب بعض الناس أن يستخدموه في حياتهم، فلو كرهنا الفريق المصري فإننا ندخل العنصرية في الرياضة، والهدف أساسا من كأس إفريقيا هو أن يتعرف الأفارقة على بعضهم -دول جنوب إفريقيا ودول شرق إفريقيا ودول شمال إفريقيا والساحل والصحراء-.
فعندما نشجع على أساس الكراهية فإننا ندمر الشيء الجميل في الرياضة وهي أنها تجمع رجال من عرقيات وأشكال مختلفة في المستطيل الأخضر ليسعدوا الجماهير، وأخشى أن ننحدر يوما لنفعل مثلما فعل المذيع العراقي في كأس الخليج الذي وصف الحكم السعودي بأنه وهابي لأنه لم يحتسب هدفا للمنتخب العراقي المؤيد من المرجعية للهدف، فهذا المذيع لم يعرف أن الهدف من كأس الخليج هو إذابة الخلافات بين دول الخليج ولكنه حاول إدخال عصبيته الدينية في الرياضة.
ولو طبقنا مذهبه فلن نشجع ليونيل ميسي اليهودي ولا فريق ريال مدريد "الصليبي" ونشجع في الكرة على أساس العصبيات العرقية والدينية والقومية فتفشل الكرة في مهمتها الأساسية وهي التواصل بين الشعوب، أتمنى أن تبعدوا كرة القدم عن الصراعات السياسية والطائفية وتجعلوا كرة القدم أداة للتواصل بين الشعوب فلننسى صراعاتنا قليلا ونحن نشاهد الساحرة المستديرة تتهادى في العشب الأخضر وأن نشجع الكرة الجميلة وننبذ الكراهية.
أما من اختاروا أن يشجعوا نكاية في السيسي فقد أخطؤوا النجعة وحملوا الأمر أكثر مما يحتمل لأن الأمر في النهاية لم يكن مباراة حربية، ولم يكن السيسي أحد اللاعبين الـ 11 في الفريق المصري، والموضوع كان رياضي بحت وكان الأوفق لهم أن يطالبوا بعدم تسيس الكرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

