شعار قسم مدونات

أميركا وتغير الوجوه

أوباما ترامب
الفترة التي قضاها الرئيس بوش الابن في حكم الولايات المتحدة الأمريكية شهدت صراعاً معلناً مع الأمة الإسلامية ظاهرياً ومع الإسلام باطناً. وقد تم استغلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر لجر العالم إلى ما يسمى بالحرب على الإرهاب، أدت إلى خوض حروب كلفت أمريكا خسائر باهظة في الأرواح والأموال، ليس هذا فحسب بل خسرت أمريكا الكثير من مصداقيتها كدولة أولى بعد أن ظهرت حقيقة أن حروبها قد افتعلتها بأسباب واهية.


كانت هناك حاجة ملحة لتغيير وجه أمريكا بإجراء عاجل يُبقى لها بعض مصداقيتها، وتطًلب هذا الإتيان برئيس من أصول إفريقية هو: باراك حسين أوباما، الذى حاول بكلام معسول أن يواصل تطبيق السياسة الأمريكية بأسلوب أفضل من سابقه، فلم تقف الحروب الأمريكية ولم يتوقف سقوط الضحايا، بل إن الضحايا الذين سقطوا من أبناء الأمة في عهد أوباما يفوقون أعداد من سقطوا في عهد بوش بكثير. كل ما هنالك أن مصطلحات العداء للإسلام والمسلمين اختفت ظاهرياً بينما الحروب ضدهم تشتعل في أماكن كثيرة.

يمكن القول أن هذه الثورات العربية قد فاجأت أمريكا، فحاولت التعامل معها وسخرت كل ما تملك من قوة حتى لا تخرج هذه الثورات منتصرة.

في هذه الأثناء تولدت قناعة عند صانعي السياسة الأمريكية أن الحرب على الإسلام يجب أن تتم بأيدي المسلمين أنفسهم، وهداهم تفكيرهم بعد دراسات مكثفة لمراكز أبحاثهم أن أفضل طريقة هى مساعدة الجماعات الإسلامية المعتدلة للوصول للحكم أو مشاركتها فيه، لفتح الطريق أمام صراع بينها وبين الحركات الإسلامية المتشددة، وبذلك يتحول الصراع من صراع بين أمريكا والإسلام إلى صراع إسلامي إسلامي يؤدى في النهاية إلى نفس النتيجة.

ثم أتت ثورات الأمة قبل أن تبدأ أمريكا بالفعل في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة ويمكن القول أن هذه الثورات قد فاجأت أمريكا، فحاولت التعامل معها وسخرت كل ما تملك من قوة حتى لا تخرج هذه الثورات منتصرة، وقد حاولت المقاومة بقدر الإمكان في مصر إلا إنها تحت زخم الملايين الذين خرجوا في شوارعها اضطرت إلى أن تضحى بمبارك. ثم حاولت أن تتعامل مع الواقع بردات الفعل ولم تجد حرجاً في إيجاد صيغة للتفاهم مع جماعة الإخوان المسلمين لوصولها للحكم وقد كان. 

إلا أن الواقع الجديد الذى شهد وصول الحركات الإسلامية المعتدلة (حسب المفهوم الأمريكي) للحكم في مصر وتونس لم يرق لصانعي القرار الأمريكي، وأدى إلى وأد استراتيجيتهم في المهد قبل أن ترى النور، وأنتصر معسكر المحافظين صاحب رؤية أن جميع الحركات الإسلامية تشكل خطراً لا فرق بين معتدلة ومتطرفة، وبالفعل قد كان، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الرؤية الأمريكية هي المواجهة المباشرة مع الإسلام وضرورة تسخير كل طاقاتهم للقضاء عليه. وبناء عليه تم إسدال الستار على تجربة الإخوان في مصر، ودعم الأسد في الشام بكل الطرق في كل ما ارتكب من جرائم وحشية.

ومع هذا الواقع والرؤية الأمريكية الجديدة كان منطقياً ومنسجماً مع هذا السياق أن يكون الرئيس الأمريكي الجديد هو دونالد ترامب الذى بدأ خطاب تنصيبه بإعلانه "استئصال الإسلام المتطرف من على وجه الأرض". وهكذا يعود الصراع مرة جديدة للعلن بعدما أدركت أمريكا أن الأمة الإسلامية لم تمت بل دبت فيها الحياة حين ثارت على الأنظمة الحاكمة، وأنه ليس هناك بد من المواجهة المباشرة.
 

إن هذا تطور طبيعي لصراع الحضارات الذى يشهد هبوطاً لحضارة وصعوداً لغيرها، والسياسة الأمريكية تظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن نجم أمريكا قائدة الحضارة الغربية الرأسمالية آخذاً في الأفول، ويكفي للتدليل على هذا أنه لم يعد عند قادتهم شيء يقدمونه للبشرية سوى التبشير بالقضاء على الإسلام.

والسؤال الآن: ماذا يمكن أن تحققه أمريكا في صراعها مع الإسلام في غياب دولته، وهل دونالد ترامب قادر على أن يحقق ما فشل فيه بوش وأوباما ؟ هذا ما نجيب عليه لاحقاً إن شاء الله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.