شعار قسم مدونات

من نبض إلى أسماء: لا يوجد أحد!

blogs- أدهم شرقاوي
الآن يا نبض أجدُ اللحظة مؤاتية لأرتكب خيانتي الأولى لك! قررتُ أخيرًا أن أكتبكِ، بعض النساء نخونهن إذ نكتبهن. فتحويل امرأة مثلكِ إلى لغة يعتبر خيانة من زاوية ما. أُنوثتكِ الطاغية أكبر من أن تُحشر في سطرٍ، أو تعتقل بنقطة. أعرف يا نبض أني إذ أكتبكِ أحمّل اللغة فوق ما تستطيع.. الليل في عينكِ أكبر من قدرة اللغة، وهذا السواد كله يعاش ولا يحكى. والغمازة التي ترسم على خدك الأيمن حين تبتسمين، تصيب اللغة بارتباك تام، ولكنها فكرة تستحق العناء. فكان الله في عون لغة أريد منها أن تصير أنتِ.
 

بهذه الكلمات بدأتُ روايتي "نبض"، ومنذُ عامين إلى اليوم سُئلت أكثر من ألف مرةٍ من هي نبض؟! في معرض جدة للكتاب العام الماضي سُئلتُ عنها، في مقابلتين تلفزيونيتين سُئلتُ عنها، في تويتر والفيس بوك سُئلت عنها، وفي كل مرة كنتُ أجيب: نبض شخصية ولدتها على الورق، وأحببتها على الورق، وتغزلتُ بها على الورق، وقتلتها على الورق لمآرب روائية بحتة، فقد أردتُ أن أظهر فداحة الحرب.
 

براعة الكاتب أن يصنع شخصيات يشعر معها القارئ، أنها من لحم ودم وليس من حبر وورق، ويصنع أحداثًا يشعر معها القارئ أنها وقعت فعلًا وليس مقطعًا جامدًا في رواية.

وما كدتُ أجففُ يدي من دم نبض التي قتلتها، وأنفض عن ثيابي تراب قبرها الذي دفنتها فيه، حتى كتبتُ روايتي الثانية "نُطفة" لأكتشف أنه صار عليّ الآن أن أجيب: من هي أسماء؟! سئلتُ هذا السؤال في معرض الشارقة منذ شهرين أكثر من مرة في غضون يومين! أسماء هي أخت نبض، خرجتا من رحم قلم واحد، أفتخر بأبوتي لهما، ولا أجد حرجًا أن أعترف أني ضمنتهما صفات أنثوية أحبها، فقد اكتشفتُ أننا ونحن نصنع شخصياتنا الروائية نضعُ فيها شيئًا منا! ولكني أعترف أني بالمقابل لم ألتقِ بأي منهما في دروب الحياة!
 

قدرة كاتب على صنع شخصية أو حدث ما، لا يعني أبدًا أنه التقى تلك الشخصية أو عاش ذلك الحدث، شاهدتُ مرة في مقابلة مع الراحل عمر الفرا، يتحدثُ فيها عن أمسية شعرية ألقى فيها قصيدته الشهيرة "تسعة أشهر" التي تقمص فيها دور أم، قال: جاءتني في نهاية الأمسية امرأة وسألتني: هل سبقَ لك الحمل؟!
 

برأيي براعة الكاتب أن يصنع شخصيات يشعر معها القارئ، أنها من لحم ودم وليس من حبر وورق، ويصنع أحداثًا يشعر معها القارئ أنها وقعت فعلًا وليس مقطعًا جامدًا في رواية، والفرق بين أديب وآخر هو الفرق بين قدرتيهما على إعمال مخيلتهما!
 

صنع شكسبير روميو وجولييت على الورق، وقتل دوستويفسكي أبطال الجريمة والعقاب على الورق، صنع هينغراي فريدريك على ورق بطل روايته وداعًا للسلاح وقتله على ورق أيضًا، وقتل ألكسندر دوما أبطاله في غادة الكاميليا على الورق، وقتل نجيب محفوظ عمر الحمزاوي في روايته الشحاذ على الورق بعد أن اختار له فاجعة، وقتل سعيد مهران في اللص والكلاب على الورق بعد أن دبر مقتله على أيدي رجال الشرطة ليرينا أن الشر يخسر المعركة نهاية المطاف، وقتل غسان كنفاني أبطال روايته "رجال في الشمس" ضربة واحدة لأنهم جبناء لم يجرؤ أحدهم أن يدق جدران الخزان.
 

لم يكن شكسبير قاتلًا وإنما أراد أن يرينا أن الناس يحاربون الحبّ أكثر مما يحاربون البغض، ولم يكن دوستويفسكي قاتلًا وإنما أراد أن يرينا أن لكل جريمة عقابًا مهما طال الزمن.
 

هذا لا يعني أن كل ما يكتبه الروائيون مختلق، أم سعد كانت شخصية حقيقية عرفها غسان كنفاني لهذا لها نكهة خاصة لا توجد في بقية شخصياته، ولكن لا يمكن لأحد أن ينكر أنه لم يُبدع في شخصياته التي اختلقها وما منا أحد إلا ويعرف شخصية أبي الخيزران، وإذا كانت العرب قد قالت: النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة، إلا أني أؤمن أنّ النائحة المستأجرة يمكن أن تتقن نواحها حتى لتبدو كأنها ثكلى، ونحن كذلك، نائحات مستأجرات نعرف جيدًا كيف نبدو ثكلاوات!

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.