مجزرة الساقية.. الجرح مزال مفتوحا

مجزرة سيدي يوسف
الاستعمَارُ وما أدراك ما هُو؟ هو سجلّ صفحاتِه معتمة، إذا تصفحّتَه فالموت والقهر والعذاب والدمار أبرز سِماته، هذا هو سجلّ الاستعمار في الجزائر وفي غيرها من دول العالم الثالث التي ذاقت ويلاته، لكن حين ينجلي هذا الاحتلال لا يبقى مِن ذكرى غير جرائمه المميزة بماركة جرائم دون عقاب ولا رقابَ وجراحها المفتوحة التي أبت الالتئام. الآلاف من الجرائم ارتكبها الاستعمار الفرنسي طيلة عقُودِه في احتلال الجزائر التي طالت 13 عقد وسنتن ضد الجزائريين العزّل، والآلاف منها لم تلق إنصاف المؤرخين والحقوقيين والناشطين والساهرين على هذه الذاكرة الثورية.

مجزرة ساقية سيدي يوسف الرهيبة ُ من تلك المجازر التي تنتظر هي الأخرى إنصافا جزائيا من طرف القانون الدولي! وقبل ذلك اعترافا فرنسيا عن هذه المجزرة ومثيلاتها، لعلّ وعسى يلتئم الجرح الجزائري التونسي . تقع بلدية "ساقية سيدي يوسف" على الحدود الجزائرية التونسية ما بين بلدة "لحدادة " الجزائرية ومدينة "الكاف" التونسية، هذا الموقع جعلها منطقة استراتيجية لجيش التحرير الوطني لاستخدامها كقاعدة للعلاج واستقبال الجرحى والمعطوبين من صفوفه، ما جعل فرنسا كما سنتطرق لاحقا إلى معاقبة أهلها عقابا جماعيا كما دأبت فعله كل ما سنحت  لها الفرصة.

عشرة أسراب من الطائرات القاذفة والمطاردة الفرنسية تعكر سماء البلدة الجميلة، بدأ القصف من دار المندوبية بوسط المدينة، ثمّ المدرسة الابتدائية التي لجأ إليها نصف سكان البلدة، ليتم بعدها قصف جميع المباني الحكومية وتدمير منازل المواطنين ومتاجرهم.

قبل المجزرة 
سبقت المجزرة استفزازات فرنسية للمنطقة كونها قاعدة علاجية لجيش التحرير الوطني، ومنطقة دعم مادي وعسكري، فبعد إصدار وزير الدفاع الفرنسي آنذاك لقانون ملاحقة مجاهدي جيش التحرير داخل التراب التونسي، كانت أوّل ضربة تتلقاها البلدة بتاريخ 1 سبتمبر 1957، تبعتها ضربات أخرى بعد أربعة أشهر، فبعد خسارة جيش الاحتلال لطائرة عسكرية بعد إسقاطها من طرف الثوار الجزائريين، قرر شن غارات جوية على الساقية، قصد ترويع أهلها ومعاقبة التونسيين على دعمهم للثورة الجزائرية.

يوم المجزرةِ
السبت 8 شباط 1958م، الموافق ل18 شعبان سنة 1377 هـ، كان من عادة البلدة أن يكون يوم السبت هو ميعاد السوق الأسبوعية، وموعدا لتسليم الهلال الأحمر التونسي والصليب الأحمر الدولي المساعدات للاجئين الجزائريين، كان حضور الجزائريين كبيرا ذلك اليوم في البلدة، تلك الشواهد وضعها المستعمر جيدا في اختياره ليوم المجزرة.

الساعة الـ 11 صباحا… المدينة كان يعمها الهدوء وتسكنها الراحة، وتملأها أصوات اللاجئين الجزائريين والباعة التونسيين، إلى أن تغير كل شيء في لحظة! عشرة أسراب من الطائرات القاذفة والمطاردة الفرنسية تعكر سماء البلدة الجميلة، بدأ القصف من دار المندوبية بوسط المدينة، ثمّ المدرسة الابتدائية التي لجأ إليها نصف سكان البلدة، ليتم بعدها قصف جميع المباني الحكومية وتدمير منازل المواطنين ومتاجرهم، لتكمل الطائرات المطاردة المجزرة بملاحقتها وقتلها الشنيع لمن استطاع الهرب من البلدة، ولم تسلم حتى قافلة الصليب الأحمر ولا مفوضه الذي كان حاضرا لحظة المجزرة من همجية وانتقام الفرنسيين، فكانت الحصيلة مقتل العشرات من اللاجئين الجزائريين وأشقائهم التونسيين وتدمير البلدة وتخريبها كليّا.

ردود الأفعال بعد المجزرةِ
أصدرت جبهة التحرير الوطني بيانا أعربت فيه عن تضامنها مع الشعب التونسي، واستعدادها لوضع يدها مع القوات التونسية لصد أي اختراق آخر من قبل المحتل الفرنسي. كما طالبت المجتمع الدولي بإدانة فرنسا على استهدافها لعزل بدعوى أنّها مراكز عسكرية لجيش التحرير، كما دعت تونس سفراء كل من أمريكا، مصر، ليبيا، والعراق وملحقات السفارات البريطانية والإسبانية، كما قام الرئيس التونسي الراحل بورقيبة بطرد السفير الفرنسي من بلاده، وقيام تونس برفع شكوى لمجلس الأمن، هذه الشكوى توجت بإدانة دولية لفرنسا على المجزرة، لكن دون عقاب، عقاب أصدره التونسيون أنفسهم بعدما زادت هذه المجزرة من فرص تدويل القضية الجزائرية.
 
بعد 59 سنة من المجزرةِ 
يعيش سكان بلدة ساقية سيدي يوسف ذكرى المجزرة، وكل حجر وشجر يكاد ينطق ليروي للعالم ما كان يجري ذلك اليوم، في وقت يحاول فيه الأشقاء من تونس والجزائر بتذكير بعضهم البعض وتذكير العالم أجمع، أن دمهم سال هنا في الساقية كدم واحد، والجرح مزال مفتوحا يا فرنسا!