عندما يكون الصمت نعمة

silence
في مقابلة مع الفنان مورغان فريمان الأمريكي من أصل أفريقي سأله المقدم عن رأيه في شهر التاريخ الأسود Black History Month وهو الشهر الذي يُعْنى بتاريخ المواطنين الأمريكيين من أصل أفريقي، وتحديدا في شهر فبراير من السنة، فأجاب مورغان بكلمة واحدة وقال أعتقد بأنه سخيف، وعاود المقدم ليسأله عن السبب، فقال إنني لا أحصر تاريخي بشهرٍ واحد فقط، فسأله المقدم إذاً كيف نعالج العنصرية؟ وكان الجواب: بالتوقف عن الحديث عنها وعندما أتوقف عن مناداتك برجل أبيض وتتوقف أنت بالمقابل عن مناداتي برجل أسود.

بعض القضايا لا تحتاج للدفاع عنها ومناقشتها إلى الأبد، بل إنك قد تُقدم لها فضلاً كبيراً إن تجاهلتها ليتجاهلها المجتمع بالمقابل، إما لأن غايتها وأهدافها قد تحققت بالفعل فيصبح الحديث عنها مجرد حَشْو للمفردات والمصطلحات؛ أو لأن إثارتها في زمنٍ أو وقتٍ غير مناسب قد لا يُحَقق غايتك، أو أن يَتكون المجتمع من مبادئ وقناعات مُحددة تجعل هذه القضية بمثابة فيروس يدخل في جسده فيحاربه بكل ما أوتي من قوة، وإما قد تكون لست ضليعاً بها بما فيه الكفاية فتَضُر أكثر مما قد تنفع.

أن تُتاح لك الفرصة للتعبير عن رأيك وإسماع صوتك للناس فهذا يُعد مسؤولية عظيمة يجعلك تفكر ألف مرة قبل أن تنطق بحرف واحد، وأن تسأل نفسك هل تحدثي عن تلك القضية وإثارتها له مساوئ؟

ومثال على ذلك: الحملات التي تطرقت لحماية اللاجئات في أوائل الفترة التي بدأت بها معالم اللجوء بالتَشكل والازدياد في دول الجوار مع سوريا، ولا أنكر النية السليمة من إطلاق هذه الحملات، إلا إنها تناولت عناوين غير مناسبة لها، وتقلل من قيمة المرأة، مما جعلها تُلفت الأنظار إلى تآويل وإشاعات وكَلمَة في هذا المجلس وذاك، فإن هذه الحملات برأيي قد سببت الضرر لأغلب النساء اللواتي تواجدن في تلك المناطق أكثر مما نفعت! واستثني منها الحملات التي اختصت بالتعليم أو تطوير الذات أو زواج القاصرات؛ أي الحملات التي تم اختيار العنوان اللائق لها مع متابعة وتنسيق منظم على مستوى دُولي وليست مجرد عواطف مهتاجة وليدة اللحظة دون أدنى تخطيط مسبق.

أن تُتاح لك الفرصة للتعبير عن رأيك وإسماع صوتك للناس فهذا يُعد مسؤولية عظيمة يجعلك تفكر ألف مرة قبل أن تنطق بحرف واحد، وأن تسأل نفسك هل تحدثي عن تلك القضية وإثارتها له مساوئ؟ هل الظروف الآن مناسبة لطرحها للجدل والنقاش؟ هذا ولا أنسى من الذكر بأن البعض لا يُحسِن التعبير عن رأيه فيستخدم الكلمات النابية والشتائم فيزيد الطين بلّة، ويجعل الحذر حليف نُطقِنا.

إن الحرية جميلة، ولكنها تتحول إلى كابوس إذا اتجهت للانحلال والانحدار وعدم المبالاة في التعبير عن الرأي، بدلاً من التوجه للتحسين والتطوير في شتى المجالات، مع مراعاة المرحلة وما تتطلب من طرح وما يتقبل المجتمع، والأهم أن يكون المتبني للقضية متمكناً منها لضمان الحدّ الأفضل من التعريف بها، وليس كل صَمتٍ يُعتبر تقييداً لحُرياتك بَل قد يكون الصَمْت أبلغ!