القانون الانتخابي التحايلي في لبنان

Lebanese demonstrators supporters of the Lebanese communist party wave Lebanese and communist party flag during a demonstration marching from Bourj Hammoud area to the government palace square in Beirut, Lebanon, 05 February 2017.The demonstration is to press for parliamentary elections on time and demanding for a new election proportion law that give all the Lebanese parties and civil society the Equitable representation , where many Lebanese politicians reject this law because it allegedly hurts their own interests.
اقتربت الأحزاب السياسية التقليدية في لبنان من وضع قانون انتخابي جديد، يحقق طموحاتها بالاستمرارية. ما يبقي لبنان في المسار نفسه نحو الإفلاس والتشظي المجتمعي والفراغ الدستوري في بعض الاستحقاقات وعجز اقتصادي يهدد الكيان برمته. أتى اجتماع الأحزاب بالغرف المظلمة للتشاور ووضع القانون "التحايلي" بعيداً عن مناقشته علناً في مجلس النواب، حتى لا يتم فضح مسعاهم بتكريس استبدادهم واعتبار لبنان مسرحا لــ"لعبة الأحزاب" قياساً بــ "لعبة الأمم".
 

حين غُرِس النظام السياسي الفرنسي في لبنان كانت النتيجة فوضى عارمة؛ لأن معظم ناخبي لبنان لا يصوتون لبرامج سياسية، بل يدعمون رجل طائفتهم الكبير وجماعة مذهبهم الواحد. إذا استطاع الرجل الكبير الوصول إلى البرلمان، فسوف يستخدم النائب الجديد نفوذه لرد الجميل وتوجيه موارد الحكومة إلى جماعة طائفته الواحدة، ومساعدة مؤيديه في أمور مثل أقساط المدارس، وتكاليف الشفاء ومشاريع البناء.
 

وأحياناً يوجه موارد الحكومة التي يستولي عليها بقوة سلطته إلى زعيم يتيح له الاستمرارية في البقاء والتمديد له. وعلى الرغم من وجود حكومة وطنية تتمتع بكل مظاهر السيادة والاستقلال، كالعلم الوطني اللبناني والجيش، تتمتع قلة قليلة من الشعب اللبناني بحس المواطنة، بل معظمهم يذهب بانتمائه إلى أمة أكبر أو كونهم جزءاً من عالم اجتماعي يتجاوز حدود وطنهم؛ وإن استثنينا "المسيحيين" من هذه التبعية كشركائهم "السُنّة" و"الشيعة" و"الدروز"، فإنهم لا يُبرَّؤون من طلب الحماية وبالتالي الاستنجاد بدولة تحمي وجودهم المهدد بسبب الصراعات الدينية والأيديولوجية المدمرة والمستمرة. لذلك لا يوجد في برلمان لبنان أحزاب سياسية متماسكة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل مجموعة زعماء أفراد يجهد كل منهم للعودة بأكبر قدر ممكن من موارد الدولة ليوزعه على القاعدة الضيقة من مؤيديه.
 

في لبنان، تهدد الجريمة المنظمة، السياسية والاجتماعية، الدولة ذاتها ومؤسساتها الأساس، والفشل في التعامل الفاعل مع هذه المشكلات، خاصة انتشار السلاح الميليشياوي، قوّض إلى حد بعيد الشرعية الديمقراطية.

يحد النظام الطائفي في لبنان من التطور السياسي والاقتصادي لأنه يمنع ظهور نظام حديث يطيح بما يطمح إليه رجل الطائفة الكبير. ماذا ولّد هذا النظام السياسي المهترئ في لبنان؟ فقر مطرد في مناطق كثيرة، خاصة عند "السُنّة" و"الشيعة"، ما يولّد أنواعاً أخرى من الاختلالات الاجتماعية الوظيفية، كانتشار العصابات، والاتجار بالمخدرات -خاصة عند المناطق التي يهيمن عليها "حزب الله"-، والشعور الدائم بالقلق وانعدام الأمن لدى السواد الأعظم من المواطنين العاديين. في لبنان، تهدد الجريمة المنظمة، السياسية والاجتماعية، الدولة ذاتها ومؤسساتها الأساس، والفشل في التعامل الفاعل مع هذه المشكلات، خاصة انتشار السلاح الميليشياوي، قوّض إلى حد بعيد الشرعية الديمقراطية.
 

قد يجادل البعض ويعارض هذا الطرح بوجود ديمقراطية متمثلة بالانتخابات النيابية؛ والرد على هذا الكلام أن مستبدّي الطوائف كلهم يجدون أنفسهم مضطرين لإجراء انتخابات، ولو شكلية، وفق أنظمة تراعي حصصهم في الدولة للاستيلاء على مواردها وبالتالي إرضاخ الشعب بابتزازه. ويستخدمون بذلك وسائل الإعلام الراضخة لهم لشرعنة أنفسهم. في لبنان، يتظاهر المستبدون زعماء الطوائف أنهم ديمقراطيون.
 

في لبنان، يوجد عنصران فقط من ثلاثة لتكوين نظام سياسي قوي، هناك عنصر الدولة بمؤسساتها وأرضها وشعبها وجيشها؛ وهناك عنصر "حكم القانون" كِتابياً. بعبارة أخرى، صيغت فعلاً القواعد الاجتماعية والسياسية على شكل قوانين مكتوبة، منها الدستور اللبناني وميثاق ٤٣ ثم عُدِّل لاحقاً باتفاق الطائف. لكن العنصر الأهم الذي من دونه يصبح النظام السياسي برمته هشا ومعجونا بالفساد، هو المحاسبة، إذ يكاد ينعدم تماماً في لبنان. من دون المحاسبة والمساءلة يصبح الشعب بمنأى عن ما يدور في مؤسسات الدولة. الحد من سلطة الزعماء ورجال الطوائف الكبار يبدأ بالمحاسبة، وإجبارهم على الالتزام بقانون مكتوب، بدل العشوائية لتأمين ما يُمكن استخدامه للاستمرارية في السلطة.
 

يكاد يخلو استحقاق انتخابات نيابية في لبنان من إعلان تعبئة عامة عند رجال الطوائف. كلٌّ يغني على ليلاه. يصدح بالقول "قانون يحفظ حقوق المواطنين"، بينما الحقيقة تقول "قانون يحفظ حقوق استمراريته". بين قانون "الستين" و"الأرثوذكسي" و"النسبي" و"المختلط" و"الدائرة الواحدة" وغيرها من القوانين الاحتيالية، ترى مؤيدا لها ومعارضا آخر؛ والسبب عدم صحة التمثيل! بينما الحقيقة تقول إن أكثر من ٩٠٪‏ من الوجود في البرلمان اللبناني والحكومة لا تتغير إلا بتغير نسب مقاعد الأحزاب في البرلمان.
 

ما هو الحل في لبنان حتى لا نصل إلى ما وصلت إليه الصومال وسوريا وغيرها من الأنظمة السياسية المنحلة؟ في ظل وجود تبعية للخارج، وتنفيذ أجندات نابعة من أسس أيديولوجية عقائدية، وفي ظل الاستنجاد بالآخر الذي يشكل استفزازا للبعض تحت حجة "الحفاظ على أقلية معينة"، فإننا نسير بسرعة جنونية إلى تشظي مجتمعي ينبئ بحرب دموية يكون شعارها "إلغاء الآخر". البعد عن هذه التبعية يخلق شعورا عند الجميع بالارتياح وإعادة الثقة وتربية جيل جديد يؤمن بنظام سياسي متماسك يحكمه تكنوقراط اختصاصيون، تكون الحكومة فيه مقيضة بالمحاسبة والمساءلة، والشعب اللبناني برمته سواسية تحت ظل حكم القانون. فهل من مُعتبر!؟

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان