عفوا لامبارد وجيرارد.. لا عبقري إلا سكولز

أعلن فرانك لامبارد اعتزاله اللعب نهائيا بعد مسيرة حافلة في إنجلترا وأمريكا، النجم الكبير الذي صنع اسم لا ينسى رفقة تشيلسي خلال بدايات الألفية، وحصل مع "البلوز" على دوري أبطال أوروبا في أقوى لحظة بتاريخ النادي اللندني. وبعد وداعية أشهر من ارتدى القميص رقم 8 في البريمرليغ، انتهت رحلة الثلاثي البريطاني الكبير في ملاعب المستديرة، سكولز أولا وبعده جيرارد وأخيرا لامبارد، لتعود مرة أخرى المقارنات القديمة بينهم، مع سؤال واحد لا يتغير، من الأفضل من بين هذا الثلاثي الاستثنائي؟

 

نتفق على تفرد مثلث الوسط في شخصيته وأسطوريته وإنجازاته، جيرارد هو قلب ليفربول النابض، قائد تكمن قوته في روحه، يستطيع تغيير مسار أي مباراة باندفاعه وأسلوبه المباشر، إنه أفضل نموذج ممكن للفارس الإنجليزي الشجاع، يقوم بعمل العرقلة المشروعة، يقطع الكرات، يركض يمينا ويسارا، يسدد من مسافات شاسعة، وينطلق تجاه الجمهور بعفوية، لذلك صنع تاريخا كبيرا خلال نهائي إسطنبول الشهير، وسجل في أكثر من مباراة فاصلة ببطولات الكأس في إنجلترا.

 

لامبارد في المقابل لاعب وسط هجومي كما يقول الكتاب، يسجل من أي زاوية، ويملك رصيد تهديفي يفوق ربما المهاجمين الكبار، وتألق بشدة حينما تواجد أمام ثنائي محوري يدافع أكثر، لذلك انتقل إلى مستوى أعلى مع مورينيو في ولايته الأولى، بعد حمايته بكلا من ميكاليلي وإيسيان. هو باختصار شديد أفضل من لعب في المركز رقم 8 هجوميا، يحصل على الكرة من الوسط على مقربة من الثلث الأخير، يخترق مستخدما سرعته ويسدد بالتبادل مع رأس الحربة الصريح.

 

يمكن القول بأن ستيفن بطل رواية رومانسية كتبها عاشق من ميرسياسيد، بينما فرانك نجم واقعي داخل سيناريو براغماتي ينظر إلى اللعبة في شكل أرقام فقط، وبين هذا وذاك، يأتي بول سكولز ليكون هو الأفضل على الإطلاق، أفضل من جيرارد ومن لامبارد، ومن كافة عرابي الوسط عبر التاريخ القريب للملاعب البريطانية.

 

لذلك سر تفوق اليونيتد تاريخيا يتمحور في وجود لاعب سريع ومتحرك بمنطقة المنتصف، وأسطورة الرقم 8 أفضل من فعل ذلك طوال مسيرته

سكولز قاتل التخصص الأول في تاريخ إنجلترا، طالما عانت هذا البلد تاريخيا من الآراء الجاهزة والتابوهات التقليدية، لدرجة احتفاظ معظم الفرق حتى الآن بتكتيك الكرات الطويلة من أول الملعب إلى آخره. يفهم الإنجليز الكرة بشكل أضعف من غيرهم، يعتقدون دائما أنهم شعب الله المختار في دوار اللعبة، لكن منتخبهم يعاني كثيرا في البطولات الكبيرة، بسبب تلك النظرة الضيقة للمفاهيم الحديثة في التكتيك، لذلك يعتبر أسطورة اليونايتد بمثابة المجدد أمام مجتمع لا يؤمن بالتغيير من الأساس.

 

يتفوق بول على أقرانه في كونه قادر على ملأ كافة الفراغات بالكرة ومن دونها، بالإضافة إلى شغله أكثر من مركز بالمنتصف، لاعب ارتكاز وحيد، ومساند، ووسط هجومي صريح. صحيح أن لغة الأرقام قد تنصف لامبارد عند المقارنة معه، ويمكن لجيرارد أيضا خطف القلوب عندما يتعلق الأمر بالنهائيات، لكن بلغة التكتيك، لا عبقري إلا سكولز!

 

فاجئ بيرلو الجميع في كتابه مؤكدا أن بول سكولز هو أفضل لاعب إنجليزي طوال مسيرته، وأنه يبتعد كثيرا عن البقية، وفي حوار سابق لنجم برشلونة تشافي هيرنانديز، أشار الرقم 6 إلى تفوق فارس مدينة مانشستر، إنه أعظم لاعب إنجليزي خلال العشرينية. الحكم ليس بلغة الإحصاءات، لأنها وإن خانته فرديا فإنها ستنصفه جماعيا بفارق شاسع عن البقية، لكنها أسباب تقنية وتكتيكية من الألف إلى الياء.

 

سكولز من أفضل الممررين في العالم، وضمن أكثر اللاعبين السابقين لعصرهم في فهم قواعد اللعبة المستقبلية، التحرك بدون كرة والتمرير ثم أخذ موقع أفضل، عن استراتيجية "مرر وتحرك" التي فهمها نجم الارتكاز قبل سنوات من انتشارها في كافة ملاعب العالم، لذلك سر تفوق اليونيتد تاريخيا يتمحور في وجود لاعب سريع ومتحرك بمنطقة المنتصف، وأسطورة الرقم 8 أفضل من فعل ذلك طوال مسيرته. لأنه يملك مجموعة أدوات يستطيع بها نقل فريقه من الدفاع إلى الهجوم، بسرعته الكبيرة، أو بتمريراته الطولية المتقنة.

 

هو أيضا دينامو المرونة الشاملة التي تميزت بها تشكيلة السير أليكس فيرغسون، طريقة اللعب 4-4-2 التي تصبح 4-2-3-1، بتحول لاعب جناح إلى خانة الارتكاز وأخذ مهاجم مركز الجناح، بينما ينطلق سكولز في الثلث الهجومي الأخير للقيام بدور صانع اللعب في المركز 10 بالملعب. نحن لا نتحدث فقط عن لاعب وسط يقوم بصناعة اللعب من العمق، بل أيضا صانع لعب حديث، يمرر ويرفع الكرات ويعود إلى مكانه من أجل الحالة الدفاعية. 

 

لا يقف محور اللعب أمام الكرات الطولية أو صناعة اللعب، بل يتحول أيضا إلى نصف ملعبه، للقيام بدور ليبرو المنتصف وبناء الهجمة من الخلف إلى الأمام، ويأتي هذا الجانب ليميزه عن كافة منافسيه من أرباب الوسط في بريطانيا، حيث أنه يمتاز بقدرة كبيرة على الاحتفاظ بالكرة، لذلك يستطيع اللعب تحت ضغط مع مقومات إضافية في خلق أكثر من طريقة للهجمة، إما بالمراوغة والتمرير القصير أو بتمريرة طولية مباشرة، أو بأخذ الكرة والجري بها وقطع الملعب بشكل مباشر.

 

هكذا تطورت كرة القدم بين أقدام سكولز، في التسعينات هو البوكس تو بوكس، أي اللاعب الذي يدافع ويهاجم في وقت واحد، ويعتبر همزة الوصل بين خطوط الفريق وفق خطة لعب 4-4-2. بعد ذلك، تطور الأمر ليصبح صانع لعب الفريق خلف المهاجمين، مستغلا سرعته الكبيرة في الاختراق الطولي وتبادل المراكز بينه وبين غيغز، الويلزي يدخل العمق ورفيقه يصعد إلى الأمام،

 

 ثم أهم دور قام به مع مانشستر قبل إعتزاله، ألا وهو التحكم في "ريتم وتيمبو" المباراة بلغة الكرة، وقيامه بصناعة اللعب من الخلف كـ "ديب لاينغ"، خصوصا مع ذكائه الحاد في قراءة المباراة وفهم تفاصيلها، متى يقوم بتسريع الهجمة، أين يمرر إلى زميله، كيف يتمركز دون الكرة، ولماذا يجب أن يقتل الدقائق الأخيرة قبل صافرة الحكم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي بلدة بيتا قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية وداهمت منزل الشاب صادق ناصر أبو مازن المتهم بتنفيذ عملية الطعن في مدينة تل أبيب.

الأكثر قراءة