سرك النظام

أتذكر يوم وقفت على ناصية شارع لأتابع لحظة اعتقال شخص ما، فالأمر كان حديثاً عليّ بينما لم يكن جديداً على البلاد، وقفت أتابع الموقف من لحظة صعود رجال المباحث إلى تلك البناية العتيقة ومن ثمَ هبوطهم، ولكن لم أرَ في قبضتهم إلا مجرمين في زي أطفال.

 

كانوا أخوان، وكان من الواضح الشبه الكبير بينهم، ولم أستطع أن أستوعب تلك اللحظة العبثية، كيف يمكن لهؤلاء الأطفال أان يكونوا في ذلك الوضع في قبضة رجال ليست الرحمة من سماهم، لمَ لا يكونوا الآن بين أصدقائهم يمرحون ويتمتعوا بأيام الطفولة، ما الذي يمكن أن يفعله أطفال في ذلك السن سوى إتقان اللعب، كيف تصبح الطفولة مجرم مطارد ولكن يمر على الإنسان لحظات لم يكن قد حسب حسابها في الدقائق التي سبقت وقوعها، تلك اللحظات حين وقفت وضممت أصابعي حتى كادت الأظافر تخترق راحة يدي، ذاك الشعور حين عضدت على شفتاي أيضاً لاعتقال أشخاص لم أعرفهم من قبل أبداً.

 

حين ترى شخص يُعتقل بين الجميع ويُضرب ويُدهس بالأرجل وتستكمل المشاهدة أو تستأثر اللامبالاة ستشعر بحلقك يحترق ولم تستطيع التحرك كأنما هواء فاسد قد ضُخ في رئتيك وأصابك بشلل تام حينها ستشعر أنك عاجز عن فعل شيء ضد ما يُلحق بالآخرين.

 

كانت راحتي بالركل والدهس نابعة من هروب من الخوف الذي كان يدفعنا أن نظل في سكون ننتظر، ذلك الاعتقال أراحني من مرارة الشعور بالذنب الذي كان يؤلمني بسبب العجز

باستثناء التنفس كان كل شيء ممنوع فهناك دائماً أسباب تكفي لاعتقال أي إنسان، أسباب قد تكون بسيطة وتُصنع في كل يوم وفي كل مكان عدا هنا. أما أنا فقد أخرجت هاتفي ووجهته صوبهم، فانقضّوا عليّ كأنما سننت سيفي في وجوههم فكان ذلك سبباً مقنعاً لديهم لاعتقالي.

 

أحسست براحة داخلي في غير موعدها فيداي مكبلتان وعيناي معصوبتان، ولكني لم أفهم سبب ذلك الارتياح. كانت راحتي بالركل والدهس نابعة من هروب من الخوف الذي كان يدفعنا أن نظل في سكون ننتظر، ذلك الاعتقال أراحني من مرارة الشعور بالذنب الذي كان يؤلمني بسبب العجز. أما الآن وقد أصبحت في الجبهة الأخرى وتركت تلك المرارة بعيداً، نظرت إلى تلك الجموع المتفرجة أياً منهم سيأتي دوره الآن.

 

الجميع هنا معرض للعقوبة، ما هي إلا لعبة حظ. لن يشفع لك السكوت واصطناع العمى في أي لحظة قد تصبح مشاركاً في ذلك السرك، الأمر لم يعد اختياراً، فأصبحنا الآن كلنا أعضاء في ذلك السرك، إما مشاركين في العرض أو متفرجين عليه، فأما الخوف هو العرض الدائم والأوحد. أما المشاهدين فخائفون يبقون دائماً معاً ملتصقين ببعضهم ولكن الخوف يبقى وحيداً في رأس كل منهم فيضحكوا ليخفوا خوفهم عن بعضهم، فلم يستطع أحد منهم أن يصف خوفه للآخر خوفاً من النتيجة، ففي السرك الخوف والتشاؤم قد يتسبب في اعتقالك.

 

الآن يمكنك أن ترى بوضوح ذلك العرض ليس كمشارك فيه أو متفرجاً عليه ولكن من مكان آخر، مكان لست مجبراً عليه وكل ما عليك هو الاختيار، فاختر بحرص فقد يكون اختيارك ما إلا عرض جديد داخل سرك النظام.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أغلقت الشرطة المصرية أمس الخميس مركزا حقوقيا يعمل على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان ويعالج ضحايا العنف والتعذيب، بعد عام كامل من إصدار أمر الإغلاق، وهو ما انتقده ناشطون حقوقيون.

اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي بلدة بيتا قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية وداهمت منزل الشاب صادق ناصر أبو مازن المتهم بتنفيذ عملية الطعن في مدينة تل أبيب.

الأكثر قراءة