الثورة تطرد أبناءها أَم عودة الابن الضال؟

أخٌ أكبر قتيلٌ تحت التعذيب على يد النظام السوري، والأوسط قائدٌ في جبهة فتح الشام، والأصغر من وقّع باسم النظام السوريّ في مفاوضات تسليم أحياء حلب الشرقية، وبيوتهم جميعا فجرّته قوات النظام في حلفايا بريف حماة.

 

هيَ قصة آل رحمون، والذين عاد اسمهم من جديد للمشهد السياسيّ السوريّ بعد نشر وثيقةٍ نتجت عن مفاوضاتٍ بين روسيا والنظام ومجلس قيادة حلب المعارض ممهورة بتوقيع "عمر رحمون" ممثلاً للنظام، وهو المعروف كأحد أهمّ قادة فصائل المعارضة المسلحة في ريف حماة منذ بداية الثورة وحتى عودته في يناير عام 2015 إلى حضن المعسكر الآخر الذي قتل وشرّد عائلته وتركه بلا بيت أو ذاكرة حسبما يقول.

 

ضجّت الصحف المحلية والعربية بالخبر، اتهامات بالعمالة والخيانة وأخرى تمجّد قوة الأجهزة الأمنية للنظام السوري وعملائه، تحليلاتٌ تفيد بأن ما أجهض الثورة هو طيبة أبنائها.

 

لماذا عاد؟ سؤالٌ ملحٌّ دفعني للبحث عن إجابة منه، وبعد بحث طويل استطعت مكالمته هاتفيا..

 

يختار النظام السوريّ رجاله بعناية، رحمون يحمل ماجستير في الشريعة الإسلامية، عمله كإمام للجيش الحر سهّل مهمته وجعله مطّلعاً على كثير من التفاصيل الحساسة

هادئاً مفوّهاً ضاحكاً أجاب، رحّب بي وبالجزيرة، وقال ممازحاً إنه لا يمانع التواصل مع قناةٍ سلّطت الضوء على "الإرهاب" وأغفلت دور الأخرين!

سألته هل كان مبعوثاً أمنياً لتنفيذ مهمّة تخريبية في صفوف المعارضة المسلحة أو على الأقل للتجسس عليها؟

أجاب بأنه لم يكن يوماً إلا محرّضاً على الثورة وجزء منها وأنه كان إماماً لصلاة الجمعة التي جمعت مليوناً من المتظاهرين السلميين في مدينة حماة.

وأضاف "رحمون": لم أكن يوماً ممثّلا أو مدّعياً، كنت مؤمناً بالثورة بكل ما فيها وشكلت أوّل كتيبةٍ عسكريّةٍ في حماة، قتلَ النظام أخي وقُطعت الآخر واعتقل خمساً وثلاثين شخصاً من عائلتي، لكنني عدتُ إليه أخيراً.

 

سألته كيف ولماذا؟

وأجاب "عراب الاتفاقيات": خرجنا لإسقاط النظام، لا، لإسقاط الوطن، عندما وصل الوطن لشفير هاوية التقسيم وبات تحت رحمة عبث الشركات الأمنية المتعددة الدوافع والأجندات، وأن أصدقاء سوريا هم ألدّ أعدائها وأغلب من ادّعى أنه مع الثورة كان يتعامل خفية مع النظام وداعميه، لما عليّ أن أتعامل مع الوسيط طالما أني قادرٌ على التواصل المباشر مع الأصل؟ لذا اخترتُ العودةَ إلى المعسكر الآخر.

 

تابع رحمون: أُجبرنا على الخروج من ثورتنا بقوة السلاح، حورب فصيلي "كتائب أبو العلمين" من أغلب الفصائل الإسلامية السلفيّة لأنني صوفيّ المذهب والهوى صراعي معهم كان عقدياً وتاريخياً، فُقد إثر الاقتتال خمسون عنصراً من عناصر فصيلي، واستولوا على مقراتنا وأسلحتنا ونحن الذين كنّا نحارب معهم في خندق واحد، ثمّ اعتقلوا أخي الذي قلتم إنه قياديّ في صفوفهم اليوم، لا أعلم إن كانَ قياديّاً فعلاً لكني أعلم أنهم اعتقلوه سبعة أشهر وأجبرت على الفرار بحياتي إلى تركيا.

 

شدّد رحمون على أنه خرج في الثورة لإسقاط النظام لكنه اكتشف فشل المعارضة وإدارة الثورة والتوجه بها نحو الهدف الذي خرجت لأجله.

 

ثقب أسود في قلبي يؤلمني حتى اليوم حين وصلت إلى تركيا أوّل مرّة، وسمعت قصص خلافات العسكريين وتناحرهم على المناصب، هم سبب كلّ ما حصل في سوريا عسكرياً حتى اليوم، يحاولون إلقاء اللائمة على المدنيين لكن هم المسؤولون عن إضاعة الفرصة، خرجنا على النظام لمعارضتنا طريقة إدارته للبلاد، لكن بعد أن رأيت منهم ما رأيت، فضّلت العودة.

 

الرحمون برز اسمه في توقيعه على ورقة مفاوضات خروج الثوار من حلب الشرقية في نهاية العام المنصرم، ووقع مفوضاً عن حميميم.

 

وعن دور المفاوض والوسيط يقول رحمون: "في حلب لم أكن وسيطاً، النظام وروسيا كانا قويين ولديهم خطة متكاملة لاجتياح حلب الشرقية عسكرياً، الضعيف هو من يفاوض، وكانت المعارضة المسلحة هي الأضعف، كان دوري توفيقيّ بين المعارضة المسلحة والجانب الروسي الذي رفض في البداية خروج أي عنصر من مقاتلي المعارضة المسلحة مع سلاحه الفردي، كنت فقط أحاول إقناع الطرفين بالوصول إلى صيغة نهائيّة تحقن الدماء وتحفظ ما بقي من أرواح وتختصر معاناتهم.

 

أكّد عمر رحمون خطيب وإمام الجيش الحر سابقاً: "إنّ وجودي في مناطق النظام لا يعني بأن مواقفنا متطابقة، لكن رؤيتنا للمستقبل مشتركة وأهمها شيئين: عدم تقسيم سوريا والحدّ من مشاريع الأكراد الانفصالية، والقضاء على التكفيريين الذين خربوا البلد" حسب توصيفه.

 

ختم الرحمون قائلاً: سيحاسبنا الله جميعا، وبالنسبة لي سأسعى لمساعدة المدنيين والسوريين كي تبقى سوريا لنا فقط.

 

الصحفي المعارض "ماجد عبد النور" علّق بدوره حول موضوع عودة وجوه من الثورة إلى صفوف النظام قائلاً: "النظام السوريّ اخترق كلّ مفاصل الثورة عسكرياً وسياسياً، حلب كانت مثالاً صارخاً لكشف عودةِ عدة شخصيات معارضة بعد أداء مهمتها إلى المربّع الأوّل وأبرزها عمر رحمون".

 

عمر رحمون ليس الوحيد الذي انشق عكسيا منذ بداية الثورة السورية، نواف البشير المعارض شيخ عشيرة البكارة ومحمد رحال المعارض السياسي وأعضاء من مجلس مدينة حلب المعارض، وغيرهم كثير ممن عاد بعيدا عن الصخب الإعلامي

وتابع عبد النور: "يختار النظام السوريّ رجاله بعناية، رحمون يحمل ماجستير في الشريعة الإسلامية، عمله كإمام للجيش الحر سهّل مهمته وجعله مطّلعاً على كثير من التفاصيل الحساسة التي سهلت استهداف فصائل المعارضة المسلحة وإيلامها.

 

وختم ماجد: "كلّ من عاد إلى النظام سوّغ خيانته للثورة بمبررات أخلاقية ووطنية وإنسانية، إلا أن النتائج التخريبية لدورهم وهم ضمن صفوف الثورة كانت واضحة وجلية.

 

جدير بالذكر أن عمر رحمون ليس الوحيد الذي انشق عكسيا منذ بداية الثورة السورية، نواف البشير المعارض شيخ عشيرة البكارة ومحمد رحال المعارض السياسي وأعضاء من مجلس مدينة حلب المعارض، وغيرهم كثير ممن عاد بعيدا عن الصخب الإعلامي، ومن يدري ماذا سيحمل مستقبل المعارضة السورية من مفاجآت على وقع مفاوضات أستانا وتحضيرات عسيرة لمؤتمر جنيف في العشرين من الشهر الجاري. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة