واشنطن.. للهنود الحُمر؟!

كثرة الأخبار التي تصلنا كُل يوم، تجعلنا نغرق في تفاصيل دقيقة جدًا في أُطر أضيق، تحرمنا في كثير من الأحيان من فهم واقعنا من منظار أوسع، بل إن هذا الغرق في بحر الأخبار العاجلة، ومتابعة تصريحات الشجب والاستنكار يجعلنا أكثر تبلدًا أحيانا، وأقل فهمًا، فننظر لإسرائيل وكأنها أبديّة وننظر لأمريكا كأنها أزليّة، بل إننا بالكاد ننظر في تاريخها، فكيف لنا أن نفهم، إن كان لتاريخها علاقة بتاريخنا؟!

 

في الفصل الثامن من كتاب "الفلسفة الماديّة" للدكتور عبدالوهاب المسيري، وتحت عنوان: "الماديّة والإبادة" يتحدث بشكل مُفصّل عن "التقاليد الغربيّة الإباديّة" فيربط كعادته بين أحداث تاريخية "إبادية" قد لا نرى بينها أي رابط، فالإبادة التي حصلت في غابات فيتنام وتلك التي حصلت بحق اليهود في معسكرات الاعتقال النازيّة ومعركة ونديد كني (Wounded Knee) ضد الهنود الحُمر وانتهاء بما حصل في فلسطين من نكبات حتى يومنا هذا، كل هذه يُمكن فهمها في سياق فهم الحضارة الغربية المادية الحديثة، وفهم "النموذج الكامن" خلفها وهو ما يُطلق عليه: "الرؤية الواحدية المادية"، وللتبسيط أكثر، فإن المسيري يذكر في موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" أن هتلر كان يُعبر في أحاديثه الخاصة عن إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين وطريقة مُعالجتهم لقضيّة الهنود الحمر من خلال الأسر والتجويع والقتل!

 

من يُطالع موسوعة المسيري، سيقرأ الكثير مما يستحيل أن يُقرأ في شريط الأخبار العاجلة، مثل علاقة الاستيطان "البيوريتاني" في أمريكا الشمالية والاستيطان الصهيوني في أرض فلسطين، فالعقيدة البيوريتانية كانت تنظر لأمريكا باعتبارها "صهيون الجديدة" أو "الأرض العذراء" وكأنها "أرض بلا شعب"، تمامًا كما كان الصهاينة يُصوّرون فلسطين للعالم، وإذا ما اضطروا للحديث عن الفلسطيني فإنه ليس إلا "هجمي" أو "متخلف" أو "هندي أحمر"، في مُحاولة لشرعنة عمليّات الإبادة بحق الفلسطينيين. هذه العمليات لا تختلف في جوهرها عن عمليات التهجير والإبادة بحق الهنود الحُمر، بل إن الثمرة النهائية لعمليات الإبادة كانت بقاء نصف مليون من أصل ستة ونصف مليون عام 1500 م حين وصل "الإنسان الأبيض" وهو ما يعني أنه تمت إبادة ستة ملايين مواطن أصلي، وهو "رقم سحري لا يذكره أحد هذه الأيام" على حد قول المسيري.

 

عبدالوهاب المسيري مفكر إسلامي وعالم اجتماع مصري (1938-2008) (الجزيرة)

  

ليس المسيري وحده في هذا، فقد تعمّق الباحث الفلسطيني محمد صوان في هذه المقارنات حتى نشرها في كتابه "أمريكا الإسرائيلية وفلسطين الهندية الحمراء"، وهو ثمرة لبحث أنجزه عام 1985 لمادة تاريخ أمريكا في جامعة الكويت ونال درجة الامتياز، ولكن الكتاب لم يُنشر إلا عام 2015 حين نضجت الفكرة في ذهن الكاتب كما يقول بنفسه في المقدمة. والكتاب يستحق الاطلاع بلا شك، فهو ضخم وفيه عدد هائل من الصور والخرائط والحكايات والمقارنات بين الاستعمار الامريكي والاستعمار الصهيوني، والتي تصل إلى حد المقارنة بين اتفاقية أوسلو وبعض الاتفاقيات مع الهنود الحمر أو مشاريع الوطن البديل التي كانت تقترح بين حين وآخر أو حتى وسائل الحصار الاقتصادي، بل وحتى محاولة "اللعب" على أوتار "تحرير المرأة" أو "تمدين الهندي" من أجل شرعنة الاحتلال، وقد يختلف القارئ مع الكاتب في بعض المقارنات، ولكن الأكيد أن من يُطالع هكذا كتاب، سيتوقع من "الديمقراطية الأمريكية" أكثر بكثير من مُجرد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

 

بعيدًا عن الكُتب فقد كتب د.أحمد الخميسي مقالة بعنوان "ترمب من إبادة الهنود إلى إبادة العرب": جاء فيها "أمريكا التي ظهرت منذ نحو مائتين وخمسين عامًا بعد حرب الاستقلال عن بريطانيا كان إنجازها الأول إبادة شعب بأكمله من الهنود الحمر"، أما الزهار القيادي في حركة حماس، فقد صرّح بأنه لا يستغرب أبدًا من هذا التصرف من "ترمب الذي بُنيت دولته على سرقة أراضي الهنود الحمر وطردهم"، ولكن الرسّام الكاريكاتير الأردني عُمر العبدللات لم يكتف بل هذا، فكتب على صفحته على الفيسبوك يقول:

 

"لو أني مسؤول عربي لأعلنت أن واشنطن هي عاصمة الهنود الحمر الأبدية".



حول هذه القصة

“ترمب وحيدا في مواجهة الجميع” يمارس “لعبة خطيرة” “إرضاء للإنجيليين” ومحاولة للفت الأنظار عن “الإحراج الروسي”.. هكذا غطت الصحف الفرنسية تداعيات قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

اهتزت عشرات المدن داخل وخارج فلسطين بالاحتجاجات والمظاهرات في أول جمعة بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وسط دعوات لإطلاق انتفاضة جديدة في الأراضي المحتلة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة