عولمة الثقافات والقدرات الروحية للإنسان المعاصر

بعد أن استوفينا أغراض التصورات المعارضة للعولمة في المقال السابق، ننتقل الآن لنطرح أفكار كتاب أجمعوا على أن ظاهرة العولمة لها وجه مشرق ساعدت على رسم ملامحه وسائل الاتصال الحديثة .
 

لقد سرعت وسائل الاتصال الحديثة، حسب كل من ستيفن كولمان وكارين روس، من وتيرة التحول الاجتماعي. إذ استطاعت، في رأيهما، تغيير طريقة تفكير الناس تجاه قيمهم وأنماط سلوكهم. وهكذا، وفي زمن قياسي قصير، اكتسب الناس آليات حوار أخرجت معتقداتهم الراسخة من بواطن اللاوعي إلى أسطح الوعي، فغذا كل شيء نسبيا، بعد أن كان مطلقا وثابتا. وقد ساعد هذا التغيير الناس على بناء هوية ذاتية مستقلة فتحت المجال لهم على مصراعيه للانخراط والمشاركة السياسية الإيجابية الواسعة والدخول في حوارات سياسية كانت بالأمس القريب من المحظورات.
  

وسوف لن تفلح وسائل الاتصال الحديثة كل هذا الفلاح، في رأي هذين الكاتبين، لولا تضافر عاملين أساسيين: توفير المعلومة وتيسير التواصل بتكلفة جد رخصية، لتتسع بعدها رقعة استعمال الإنترنت، لما لهذا الأخير من دور في تقوية روابط التواصل ما بين الناس. إذ شكل دعامة كبيرة لكل نشاط اجتماعي وأسهم في إثراء حياة البشر الاجتماعية، ولم يعد أحد ينكر الآن العلاقة التي أصبحت تربط الإنترنت بالحياة الاجتماعية. اتسم الحوار التفاعلي الناشئ، الذي خلقته وسائل الاتصال الحديثة، بالحرية وبالوعي وبكونه يمتلكك القدرة على تحسين التواصل الاجتماعي. هذه الخصائص التي اجتمعت فيه جعلته حوارا مرسخا للسلوك الديمقراطي، عمل على أن يشمل أطرافا متعددة من جنسيات متعددة.

 
وغير بعيد عن هذا الموقف، يرى الكاتب والمؤرخ التونسي الحبيب الجنحاني، أن وسائل الاتصال الجماهيرية، بفضل الإنترنت، قد ساهمت في توحيد ثقافات الأمم، وصهرها، على اختلافها، في بوتقة واحدة، فتقربت بهذا الفعل المسافات وتواصلت تلك الثقافات فيما بينها في ظل نظام عالمي جديد أحادي القطب، تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية.
  

هل تعني الأحادية القطبية أن العالم يمشي في اتجاه الأمركة؟
يجيبنا الباحث عبد الخالق عبد الله عن هذا التساؤل بقوله بأن الاقتصاد المعولم لا يعني بتاتا أمركة العالم، على الرغم من استفراد أمريكا بقيادة العالم. ذلك أن العولمة، في تصوره، ليست فرضا لقيم وثقافة مجتمع ما على قيم الثقافات الأخرى. ولا طمسا للهويات وللخصوصيات الحضارية. فهذه الأخيرة، في رأيه، قائمة، وستظل كذلك خلال وما بعد العولمة. يتقاطع، إلى حد ما، رأي عالم الاجتماع الأمريكي جورج ريتزر مع رأي الكاتب عبد الخالق عبد الله، حينما يعتبر أن العالم، بسبب العولمة، يشهد انتقالا نوعيا من الثقيل إلى الناعم، ومن الصلب إلى المتدفق. ذلك أن العولمة تمثيل لتغير بالغ الأهمية طرأ على التاريخ الإنساني وسيرورة تتضمن سيولة متزايدة وتدفقات للبشر والأشياء والأماكن والمعلومات، في الاتجاهات جميعها.

  

تدفع وسائل الاتصال الحديثة الإعلام الرقمي، الذي يبقى له، رغم هذا وذاك، مبادرات ومساع حميدة تسعى إلى دمج الجماعات المهمشة التي لم تجد منبرا حرا للتعبير عن وجهات نظرها

 
نفس الموقف يتبناه الكاتب محمد محفوظ، الذي يعتبر أن العالم دخل عهدا جديدا يشهد انكماشه ويرفع من مستوى ترابطات الأمم والشعوب والثقافات، بفضل هذه الثورة العلمية الرقمية المبتكرة لوسائل اتصال ومعلومات جديدة مؤثرة في بنية المجتمع العالمي المعاصر. عهد يقرب أجزاء العالم أكثر مما يباعد بينها ويساهم في بلورة وعي عالمي جديد مؤثر في القناعات السياسية. فالعولمة حسب هذا الكاتب، نتاج هذا التضاعف المعرفي المهول الذي يسجله التاريخ كل عقد من الزمان.

 
ومن زاوية مناهضة للعنف يرى أمارتيا سن أن المبادرات المدنية تعتبر شيئا لا مندوحة عنه على المستويين الوطني والعالمي، لأنها تشكل ميزات رئيسية للمسارات المدنية نحو بناء سلام عالمي. وهي، بهذا المعنى ترتبط بما يسميه بـ"الحكم بالنقاش" كسلوك ومنهج ديمقراطيين موسعين ينبنيان بالحوار وحرية المعلومات والنقاش الحر ويتجاوزان الإطار الكلاسيكي الذي رسم لهما المحدد بالاقتراع والانتخابات.

 

وعلى العموم، تدفع وسائل الاتصال الحديثة الإعلام الرقمي، الذي يبقى له، رغم هذا وذاك، مبادرات ومساع حميدة تسعى إلى دمج الجماعات المهمشة التي لم تجد منبرا حرا للتعبير عن وجهات نظرها، عبر نهج أسلوب جديد للمشاركة يأخذ بعين الاعتبار الآراء المهمشة أو الآراء التي تعبر عن وجهة نظر مخالفة. فالتقليل من قيمة فئة وعدم احترام كيانها يكرس فيها الشعور بالظلم الذي له نتائج جد وخيمة على المدى المتوسط والبعيد. فالإرهاب، حسب جورج فردمان، " ليس عدوا وإنما هو نوع من الحروب يمكن للعدو تبنيه أو عدم تبنيه".

 

 
وكحل لهذا التقاطب لدى مؤيدي ومعارضي العولمة، نستشهد، في الختام، بموقف جميل تجاهه تداعيات العولمة، عبر عنه الباحث محمد محفوظ، بأسلوبه الهادئ والرزين. موقف يكشف عن القوة الحقيقية التي جاء بها الإسلام كدين تسامح وتعادلية ووسطية ومزاوجة عادلة ومنصفة بين الجوانب الروحية والجوانب المادية. يقول الكاتب محمد محفوظ: "إن عملية التزواج بين التركيب والتفكيك في الوعي البشري، والتي قادت إلى إدراك المشترك الإنساني المادي، هي التي أسفرت أيضا عن إدراك المشترك الإنساني المعنوي، وذلك انطلاقا من أنه إذا كان الوعي الإنساني بعناصر البيئة الطبيعية هو الذي صاغ وشكل التطورات الحضارية الكبرى في تاريخ البشرية، وذلك وفقا لمستوى تطور هذا الوعي، فإن البحث عن منشأ هذا الوعي وموجهه، هو الذي سيقود إلى إدراك المشترك الإنساني المعنوي، ولقد قادت عملية التركيب في الوعي الإنساني إلى إدراك أن كل هذا الكون ما هو إلا نتاج لعقل مطلق يمثله الله سبحانه وتعالى، فهو عقل شامل محيط غير محدود".

 

كما قادت عملية التفكيك في الوعي الإنساني إلى إدراك أن التطور الإنساني ما هو إلا نتاج محدود يمثله الإنسان، وذلك العقل المحدود يكتسب معارفه بالتراكم والتوارث والخبرة والخطأ، فهو عقل جزئي محدود غير شامل وغير محيط. ولقد كان المشترك الإنساني المناسب للقيام بدور الوسيط بين العقل المطلق الذي يمثله الله سبحانه وتعالى، والعقل المحدود الذي يمثله الإنسان، يتمثل في " قيمة الحرية في الاختيار، فالله خلق لنا عقولنا لكي نستخدمها، لكي نختار بها، والقدرة على الاختيار تحمل في جوهرها معنى الحرية، حيث تمثل الحرية قيمة المشترك الإنساني المعنوي القابل لتوصيف العلاقة بين الله والإنسان باعتبار أن الحرية هي الشرط اللازم لصحة إيمان العقل الإنساني المحدود بالعقل الإلهي المطلق، والشرط لشرعية مبدأي الثواب والعقاب الإلهيين. فلا مجال لحساب الإنسان إلا لو امتلك حرية الاختيار بين الخير والشر وبين الخطأ والصواب وبين الكفر والإيمان، وبالتالي فالمشترك الإنساني المعنوي ما هو إلا ناتج عن عملية التركيب التي تقود إلى العقل المطلق أو عملية التفكيك التي تقود إلى العقل المحدود، هو" الحرية الإنسانية " تلك القيمة التي لو تم كبتها ومحاصرتها وتقليصها، لفقد الإنسان الجوهر والمعنى الذي يمنحه التفوق على كافة كائنات الأرض".

 

نستطيع القول، بناء على هذا الموقف الروحاني الجميل، وتماهيا مع موقف التونسي الحبيبب الجنحاني أن ضحايا العولمة يمكن أن يصبحوا فاعلين أساسيين فوق مسرح النضال الاجتماعي والسياسي. فهناك قوى دولية نزيهة قادرة على تغيير الوجه القبيح للعولمة بوجه مشرق يتجلى في الديمقراطية واحترام الحريات وبناء مؤسسات قائمة على مبادئ إنسانية كونية. فعليها أن تناضل من أجل تحقيق هذا المبتغى عبر دعم العمل السياسي والنضال الاجتماعي العالمي وكبح جماح المضاربات المالية لاقتصاد السوق الذي يشل القدرات الروحية للإنسان المعاصر.



حول هذه القصة

كانت الانتخابات الهولندية أول نقطة ساطعة منذ فترة طويلة بالنسبة للناس بأوروبا وأميركا الذين شعروا بقلق عميق من أن ردة الفعل السلبية تجاه العولمة ستؤدي لأن تتولى السلطة أحزاب قومية.

هل العولمة ضد القومية والوطنية والحدود، وكيف نشأت فكرة العولمة، وما السياق الذي تمخضت عنه؟ التقرير التالي يجيب عن هذه الأسئلة، خاصة في عصر ترمب الذي يثير هذه القضية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة