صفعة القرن

هي نفسها التي فاوضنا باسمها وعلى اسمها سبعة عقود، هي نفسها التي شربنا نخب خسارتها، ونخب حجارتها، ونخب حضارتها، وتركناها تصارع الحصار والموت وحدها، هي نفسها التي أمطرت أرضها دماً فأزهرت سماؤها أرواحاً وشهداء، هي نفسها أرض الأقصى وأرض وجعنا الأقسى، فلماذا تثاءبت ذاكرتنا الآن بعد أن خلدت 70عاماً على وسادة الخنوع.

 

لا أشكك قيد أنملة بمشاعر الشعوب ولا بثورتهم الصادقة تجاه أرضهم وقدس أقداسهم، فهم منذ الأزل يطرقون باب الذكرى كي لا ينسوا أو تعتق صورة القبّة في عيونهم، لكنني لا أستطيع أن أصدقّ الأنظمة العربية قيد أنملة أيضاَ تجاه القبلة الأولى وعاصمة الكرامة العربية، لا أستطيع أن أصدّق أن من هنأ نتنياهو بذكرى قيام دولة "إسرائيل" قبل شهور  أو صافحه على عشاء سياسي، أو هبطت طائرته في مطار "بن غوريون" ذات ليلة، أو شكّل معه أواخر الكلمات فشنقوا الفاعل وأخفوا الفعل وجرّوا كل المفاعيل الي الصلح  في اتفاقيات التسوية وصفقات سرية أنه مزعوج وثائر وحانق  مثلنا من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.. لا أستطيع أن أصدق أن من لاذ يوماً بعباءة ترمب وسلّمه أصابعه العشرة خلف الأبواب المغلقة، وهزّ رأسه طائعاً لكل ما طلب، وهادنه، وأعجب بحكمته، ورضخ لرأسه الأحمر الكبير يتبرأ من هذا الفعل الآن ويحذّره تحذيراً ناعماً في قفا البيان الرسمي مبدياً قلقه.. شكراً لهذا القلق المزلزل الذي لم ولن يسمع به حتى "الفرّاش" المناوب في البيت الأبيض.

 

لو كان الكلام يحرر الأرض، لاكتفينا بما قلنا بآخر سنتين في فلسطين والقدس وسوريا والعراق وقبلها جميعاً الأندلس.. لكننا نعرف أن الكلام ريش العاطفة، عندما تحلق أبابيل الغضب في دمائنا يتساقط ريشها على الورق ومواقع التواصل الاجتماعي لكن للأسف دون أن يضيف هذا الكلام غراماً واحداً في موازين القوى.. فلسطين تضيع، الاستيطان يتمدد، القضية في جلساتها الأخيرة أمام الخصم الحكم، والعرب يتكّلمون مع أنفسهم ويتظاهرون لأنفسهم، ويشجبون لأنفسهم، ويتآمرون على أنفسهم وكل الأقدام التي تمشي في البحث عن حلول لا تساوي واحد على ألف من الدرجة في مقياس ريختر السياسة.

 

شرطة الاحتلال في مدينة القدس يوم الجمعة 9/12/2017 (الجزيرة)

 

لقد أخذنا كل مطاعيم المناعة منذ الطفولة، من الكزاز إلى التوفئيد إلى تصديق الأنظمة، كل الجعجعات لا تعني شيئاً، وكل المؤسسات التي شجبت والمسيرات التي سمح لها بالنزول إلى الشارع والبرلمانات التي اجتمعت بــ"الريموت كونترول" لا تعنيني، لا أؤمن بغضة الريموت كونترول، إذا كان "الرسيفر" في أمريكا.

  

إذا كانت تعني لكم القدس الشيء الكثير، إذا كنتم تعتقدون أن ترمب الأرعن يمضي بالمنطقة إلى فوضى جديدة داخل الفوضى العتيقة، ردّوا صفعة القرن بصفعة مثلها.. أغلقوا السفارات في عمان والقاهرة واسحبوا سفراءكم، أغلقوا مكاتب التمثيل الصهيونية التجارية في قطر وغيرها، سلّموا السفراء الأمريكيين رسائل احتجاج موحدة وصريحة قولوا لهم ثلاث كلمات: "الدم مقابل السلام".. فلا نفط نساوم عليه ولا أرض.. الأرض تحت أرجلهم والنفط يقطر في حساباتهم، لم يبق لنا ما نملكه سوى دمنا الذي تحت سيادة أجسادنا، اكتبوا الرسالة هكذا بكلماتها القليلة "الدم مقابل السلام".. عندها سيعي ترمب الحكيم تماماً ماذا تعنيه القدس للعرب.

 

لا نريد "غضبات" معلّبة وبمقاسات حكومية، تسخّن عن الحاجة وتبرّد عند انقضاء الحاجة، نريد فعل رسمي عليه القيمة يليق بكرامتنا، فالقدس عاصمة الكرامة العربية.. هكذا كانت وهكذا ستبقى.



حول هذه القصة

اهتزت عشرات المدن داخل وخارج فلسطين بالاحتجاجات والمظاهرات في أول جمعة بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وسط دعوات لإطلاق انتفاضة جديدة في الأراضي المحتلة.

اعتبر السفير الأميركي السابق في إسرائيل إدوارد جيرجيان أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها به حالة من الإرباك والتناقض داخل الإدارة الأميركية.

دعا الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل إلى تحويل الهبّة ضد القرار الأميركي بشأن القدس لانتفاضة بفلسطين والعالم كله، مؤكدا أن الأمة العربية والإسلامية لن تساوم على القدس.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة