الحكم الأمريكي بالديموقراطية لأجل الصهيونية!

على مر تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية تنًوعت شخصيات رؤساءها، واختلفت مواقفهم تجاه القضية الفلسطينية تارة محايدة، وتارات أُخرى كثيرة تشابهت في دعمها للصهيونية.. لكن الشيء الذي اجتمعوا عليه منذ نشأتها وحتى أن أصبحت أكبر وأقوى قوّة في العالم.. المناداة بالديموقراطية.. وهي حكم الشعب بالشعب لأجل الشعب.. فيا لهذه الديموقراطية التي جعلت من أمريكا هدية السماء للعالم.. لكن السؤال هنا: لمن بالتحديد في هذا العالم؟ وهل نحن مشمولون فيه؟!

  
‎الغرب يُسمَّي عالمنا العربي "دول العالم الثالث"، وهذا يعني أن هناك عالمين آخرين غيرنا ونحن نوع ثالث منه، فهل أسست أمريكا الديموقراطية في عالَمَين قبلنا وانتهت منهما وجاء الدور علينا؟!

  

يشهد عالمنا العربي نزاعات مستمرة فما إن ينتهي نزاع، يظهر آخر، وكأننا لن يُكتب لنا الاستقرار والعيش بسلام كما تنادي بذلك أمريكا، هذه النزاعات بدأت بحدود سايكس بيكو.. واستقرت في استمرارها بوعد بلفور واحتلال اليهود فلسطين وانتهاك مقدساتها.. فأصبحت دولة إسرائيل هي المسمار الذي يُدق دائما في نعش عروبتنا وإسلامنا وكرامتنا.. ‎فمن هو الذي يستمر بضرب هذا المسمار في عالمنا العربي والإسلامي؟ ومتى سيستقر ليصبح جزء منّا؟
‎ 

إنه الغرب.. وبضربة قاضية من الرئيس الخامس والأربعين لأمريكا دونالد ترمب، ‎قالها سابقًا ووعد بها في حملته الانتخابية ووفى بوعوده فأعلن أن القدس عاصمة لإسرائيل وحدها.. ‎وسبق ووعد ونفذ أيضا في منع مواطني 6 دول مسلمة من دخول أراضي الولايات.. ومع ذلك ذهب هو لدولة عربية مسلمة وحلب منهم (كما شبّه هو نفسه هذا التشبيه) مئات المليارات من الدولارات.   

 

ترمب يوقع على وثيقة اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي (رويترز)

 

بعد مئة عام على وعد بلفور جاء وعد ترمب؛ فأعطى ما لا يملك لمن لا يستحق. والوعود ليست جديدة، لكننا لا ندرك ذلك أو نتظاهر بالغباء، وهذا أقبح من ذاك.. ‎كان اتفاق أوسلو (1993م) هو البداية حيث تم الاعتراف بإسرائيل دولة لها حدود اغتصبتها، وشملت الجزء الغربي من القدس، ‎لكن اليهود عندما أدركوا أنهم وصولوا لهذه المرحلة، فهموا جيدًا أن بإمكانهم الوصول لأبعد منها، فبعد ذلك بسنتين (1995م) قام في الكونغرس الأمريكي إجماع على أن القدس بكاملها هي عاصمة لدولة إسرائيل، ‎كل هذا على مرأى ومسمع كل الدول العربية التي تدّعي وقوفها ضد الاحتلال.. وتستمد شرعية بقائها على رأس السلطات بهذا النفاق المبدئي، ‎فَلَو كانوا صادقين لما وافقوا بداية على أوسلو، ولم يتجاهلوا إجماع الكونغرس.

  
‎اليوم أعلنها صراحة، وقال بملء فيه: "تأخرنا كثيرا" وصدق، ‎فالدعم الأمريكي لإسرائيل قديم، ويفترض أن الإعلان يكون قديمًا بقِدم الدعم، لكن لم يكن لأحد من الرؤساء الأمريكيين أن يجرؤ على ما فعله ترمب، ليس لأنه شجاع، بل لأننا في وهن وضعف لم يسبق له مثيل، وبخيانة جريئة، قالت صحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية: "ترمب لم يكن ليقدم على قراره بشأن القدس لولا دعم حكام المنطقة". القدس لم يأكلها الذئب، بل ألقاها إخوتها في الجب، ثم جاؤوا يبكون. صرّح "بوش" أن مجرم الحرب بكل المقاييس "شارون" رجل سلام! وكأنه يبصق على حياة الفلسطينيين الأبرياء ويشوه أرضهم التي ضاعت وخُرِّبت بواسطة شارون وجيشه الصفيق، وتستمر الولايات المتحدة الأمريكية بدعمها لإسرائيل وهي التي تهزأ 64 قانونا دوليا على الأقل بشكل يومي منذ أكثر من نصف قرن.

‎ 

الأمر بدايةً وانتهاءً بيد الشعوب، على الشعوب جميعها أن تعي جيدًا بأنه لا أحد يمثّلها في هذه القرارات المصيرية، فهي وحدها التي تستطيع أن تنتصر لقضيتها

والمدهش أكثر أن بوش قال: إسرائيل هي النموذج المثالي للديموقراطية. الديموقراطية التي سمّاها القذافي يومًا: "ديمو كراسي"، واستهزأ به من سمعه من حكام وشعوب، ‎فهم لم يفهموا ما أراد قوله، والرجل صدق -وهو كذوب- باستيعابه للديموقراطية، وأخطأ من ظن أنه مجنون. ‎أمريكا لا تدعم مفهوم الديموقراطية بمعناها السياسي في شعوبنا، بل بتأييد موجه للسيطرة بالشكل الذي يوافق مصالحها في منطقتنا بكل ما تحملها من خيرات، والأهم من هذا كله القيام بحراسة الصهيونية بالطريقة المناسبة، مقدمة لإسرائيل خدمات جليلة مخلصة في الخيانة للأسف لا متناهية .

  

‎الذي جَدَّ في الأمر: أن هذا الإعلان جاء تعرية للدور الأمريكي الذي لطالما ادعته، وأنهى كل مساعي السلام التي كانت تزعم أنها تقودها. وأن العمالة كانت خفية فيما سبق، الآن هي على الملأ، فقد صرح نتنياهو أن علاقة دولته المزعومة قوية ووثيقة مع دول عربية سُنّية، لكن الدول العربية التي لم يسمّها يخجلون من الاعتراف والجهر بهذه الخيانات الواضحة. لا تحاول نقض هذه الحقائق بالتصريحات العربية أو الغربية، التي جاءت بعد إعلان ترمب، فما هي إلا مخدر مؤقت يمتص غضب الشعوب العربية لثنيهم عن التحرّك والثورة على هذا الاغتصاب المعلن ليس إلّا.

 

نهايةً.. الأمر بدايةً وانتهاءً بيد الشعوب، فهذا كله يُثبت ما هو مُثبت أصلا، فلا مجال هنا للراكضين خلف السراب؛ فما قام به ترمب ليس تهورًا منه، بل قناعات باتت تحرك سياسات أمثاله، إن القدس عاصمة العرب والمسلمين الروحية، وعلى الشعوب جميعها أن تعي جيدًا بأنه لا أحد يمثّلها في هذه القرارات المصيرية، فهي وحدها التي تستطيع أن تنتصر لقضيتها. وبعد هذا كله إذا مر ما أُعلن عنه مرورًا كسابقه، فسنشهد "صفقة القرن" التي قابت قوسين أو أدنى من واقعنا المفروض علينا، وهم يرقبون المشهد الشعبوي الآن؛ كي يحددوا الوقت المناسب لتطبيقها بوقاحات مستمرِّة.. في أحلك أيام القضيَّة.



حول هذه القصة

اهتزت عشرات المدن داخل وخارج فلسطين بالاحتجاجات والمظاهرات في أول جمعة بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وسط دعوات لإطلاق انتفاضة جديدة في الأراضي المحتلة.

دعت الفعاليات الوطنية والإسلامية بالداخل الفلسطيني العالمين العربي والإسلامي إلى مقاطعة الإدارة الأميركية، في حين أعلنت القائمة العربية المشتركة مقاطعة خطاب مايك بنس نائب الرئيس الأميركي بالكنيست.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة