الجبهة الشمالية بين التصعيد والدبلوماسية

تنشغل إسرائيل اليوم بكل مستوياتها السياسية والعسكرية والإعلامية بما تعتبره تغيراً دراماتياً في الصورة الاستراتيجية في الشمال وذلك بسبب "الخطر الإيراني" المتزايد في الجبهة الشمالية، والتي تشمل سوريا ولبنان. ويتمثل الخطر بتمكن إيران وحليفها الأبرز حزب الله اللبناني، من تدعيم نظام الأسد وهزيمة القوات المعارضة له، وبالتالي تعزيز نفوذها في سوريا بشكل عام وجنوبها بشكل خاص، مما منحها أفضلية التواصل الجغرافي المستمر من طهران ثم بغداد إلى دمشق وبيروت وعلى مرمى حجر من الحدود مع شمال فلسطين المحتلة.

 

تعتقد إسرائيل أن التواجد الروسي في سوريا قد عقد الصورة والموقف وإمكانيات تحركها لمواجهة الخطر الإيراني، حيث فرض قيود على ما تسميه بحقها في حرية التحرك العسكري ضد خطر إيران وحلفائها، هذا ما أكده العديد من المسؤولين والمراقبين وكان آخرهم نائب رئيس الموساد السابق لراديو إسرائيل 15-11-2017 والذي اعتبر أن الروس يشكلون كابحاً سلبياً يقيد الخيارات الإسرائيلية ولكن لا بد من التعاون والتنسيق معهم، وهذا ما يجري فعلا على أرض الواقع.

 

وأمام الخطر الإيراني من جهة والعقبة الروسية من جهة أخرى تقف "إسرائيل" أمام ثلاثة خيارات رئيسية:

الأول: المواجهة العسكرية الواسعة ضمن تحالف معادي لإيران.

الثاني: ضبط النفس وكظم الغيظ أمام التمكن الإيراني في سوريا، والعمل بحرية ضدها في لبنان.

الثالث: التركيز على الحلول الدبلوماسية من خلال استخدام تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلاقاتها المحدودة والمنفتحة مع الروس. 

 

أكدت إسرائيل الرسمية وفي مناسبات عديدة أنها لا تريد توجيه ضربة عسكرية في الشمال، وأنها تستبعد -مع أنها تتجهز-الخيار العسكري في مواجهة الخطر الإيراني
             

أما الخيار الأول -فإن إسرائيل تقوم بكافة إجراءات والاستعدادات لاستكماله ودعمه وجعله متوفرا وقت الضرورة، ويبدو أنها لم تستكمل هذه الاستعدادات من الناحية الاستراتيجية. وقد ظهرت استعدادات إسرائيل في المناورة العسكرية الأكبر منذ العام 1998 والتى أجرتها في الشمال في أواسط سبتمبر الماضي 2017، وفي طلب وزير الدفاع ليبرمان في 18-10-2017 زيادة ميزانية الجيش بمقدار 4.5 مليار شيكل، كما سعت إسرائيل للإبقاء على الأجواء القتالية من خلال توجيه أكثر من مئة ضربة عسكرية لأهداف تعتبرها تجاوزت الخطوط الحمراء في سوريا خلال السنوات الأخيرة.

 

لقد أكدت إسرائيل الرسمية وفي مناسبات عديدة أنها لا تريد توجيه ضربة عسكرية في الشمال، وأنها تستبعد -مع أنها تتجهز-الخيار العسكري في مواجهة الخطر الإيراني، وكان آخرها ما ذكره غادي ايزنكوت ولأول مرة لصحيفة عربية "أصيلة" وهي إيلاف 16-11-2017، وقد سبقه لهذا الموقف معظم المحللين في إسرائيل ومن بينهم عاموس هرئيل في هآرتس قبل أيام بأن إسرائيل رفضت طلبا سعوديا لتوجيه ضربة عسكرية لحزب الله في لبنان.

 

الاتفاق الروسي الأمريكي الأردني قبل أيام لوقف إطلاق النار في جنوب سوريا لم يستجب للمطالب الإسرائيلية فلم يحتوي على جدول زمني لإنهاء تواجد القوات الأجنبية على الأراضي السورية

ومن أهم الشخصيات الهامة والقليلة التي تدعو وبشكل علني لمواجهة إيران حتى بثمن المواجهة العسكرية الواسعة هو الجنرال ورئيس مجلس الأمن القومي السابق عامي درور، ويعتبر شخصية يمينية معتدلة، والذي يرى أن ثمن تمكن إيران من سوريا هو أعلى بكثير من ثمن مواجهتها عسكرياً.

 

أما الخيار الثاني والذي لم يتم التركيز عليه من الناحية الإعلامية في إسرائيل، ولكنه يبدو أكثر واقعية وملائمة للمصالح الإسرائيلية. وقد لخصه الجنرال احتياط قائد المنطقة الشمالية سابقا عمرام ليفين لراديو إسرائيل 16-11-2017 بقوله من الضروري أن يتم ضبط النفس إزاء الخطر الإيراني في سوريا وإلا فإن ثمن المواجهة مع إيران في سوريا كبير جداً، مع توجيه الضغط باتجاه نقطة ضعف إيران في هذه المرحلة وهو حزب الله في لبنان، وأكد أن هذا يتلاقى مع الرغبة السعودية، وذلك من خلال توجيه ضربة عسكرية قوية للحزب في لبنان لا تستمر أكثر من عدة أيام.

ومن المناسب القول أن خياراً كهذا يتطلب ووفق المحللين تدمير واسع جداً للبنية التحتية في لبنان، وقد يؤدي لخسائر هائلة في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، وهو أمرٌ قد يلقى معارضة دولية سريعة تمنع من استكمال مهمة الدمار وبالتالي فعالية هذا الخيار، كما أنه لا يمكن للجيش الإسرائيلي التحكم في نهاية الحرب.

 

أما الخيار الثالث فهو السياسة المعتمدة فعلياً من قبل حكومة إسرائيل، حيث سعت إسرائيل من خلال علاقاتها واتصالاتها مع أمريكا وروسيا لمواجهة خطر التواجد الإيراني في سوريا من خلال طلب إبعاد القوات الإيرانية أو المؤيدة لها مسافة 50-70 كم على الحدود مع الجولاني السوري المحتل.

إلا أن الاتفاق الروسي_ الأمريكي_ الأردني قبل أيام (8-11-2017) لوقف إطلاق النار في جنوب سوريا لم يستجب للمطالب الإسرائيلية حيث لم يحتوي على جدول زمني لإنهاء تواجد القوات الأجنبية على الأراضي السورية، كما أن التفاهمات السرية فيه أبعدت إيران عن حدود الجولان مسافة ما بين 5-20 كم فقط.

 

الأجواء العامة في إسرائيل هي أجواء تتجه نحو الشعور بالإخفاق الدبلوماسي لنتنياهو الذي كان يزعم أن قدرته على إقناع الروس بمصالح إسرائيل كبيرة
 
لقد ظهرت في إسرائيل ثلاثة اتجاهات حول الموقف من الاتفاق:

الاتجاه الاول: اعتبره فشلاً كبيراً للدبلوماسية الإسرائيلية.

أما الاتجاه الثاني: فقد حاول التقليل من أهمية الاتفاق وآثاره السلبية على الأهداف الإسرائيلية، وأكد أن الحل الدبلوماسي ما زال ممكناً كم أشار إلى حاجة الروس في الجو للميليشيا الإيرانية على الأرض هي حاجة ماسة لا يمكن الاستغناء عنها حالياً، ولكنها حاجة مؤقتة وتضعف وتتحول إلى تنافس بين روسيا وإيران على موارد سوريا بعد الاستقرار.

أما الاتجاه الثالث: فقد اعتبر الاتفاق إنجازاً، ولكن إنجازاً محدوداً وليس كافياً فقد أوجد منطقة فاصلة على الحدود وإن كانت محدودة 5-20كم، أو كما وصف الجنرال عمرال ليفين الاتفاق بأن فيه الكثير من العيوب، ولكنه في الاتجاه الصحيح.

 

لا بد من الإشارة أن الأجواء العامة في إسرائيل هي الشعور بالإخفاق الدبلوماسي لنتنياهو الذي كان يزعم أن قدرته على إقناع الروس بمصالح إسرائيل كبيرة، إضافةً إلى خيبة الأمل من موقف الرئيس ترمب الذي لم يبذل جهوداً كافية _وفق الإسرائيليين _ لتحسين شروط الاتفاق لصالح إسرائيل.

 

وأخيراً فمن المرجح أن تستمر الاستعدادات والتحضيرات للخيار العسكري مع التصريح والتلميح به باستمرار دون استخدامه إلا بشكل ضربات محدودة جداً كما كان في السابق وهو أمر ستضعف إمكانيته وفعاليته مع مضي الأيام واستقرار نظام الأسد، وذلك من أجل تدعيم التحركات الدبلوماسية الإسرائيلية الهادفة للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة من خلال اتفاقيات وتفاهمات دولية محتملة.



حول هذه القصة

قال الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني في تصريح خاص للجزيرة إن آلية التنسيق العسكري بين الأردن وروسيا تأتي بشأن الأوضاع بجنوب سوريا، وبما يضمن أمن حدود الأردن الشمالية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة