شعار قسم مدونات

من بلفور إلى ترمب

blogs - U.S. President Donald Trump shows off an executive order recognizing Jerusalem as the capital of Israel after signing it with Vice President Mike Pence at his side in the Diplomatic Reception Room of the White House in Washington, U.S., December 6, 2017. REUTERS/Jonathan Ernst

في نهاية المطاف قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب القاضي بنقل سفارة بلاده في إسرائيل إلى القدس والاعتراف بها عاصمة للدولة العبرية ما هو إلا تحصيل حاصل لأمر كان قائما. فالقدس محتلة منذ عام 1967، والكونغريس الأمريكي سبق له أن أصدر قرارا ملزما عام 1995 يأمر بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.

 

ترمب في الواقع لم يفعل سوى تنفيذ قرار مؤجل والاعتراف بأمر واقع كان قائما. فمقر رئيس الوزراء الإسرائيلي ومقر إقامته ومقر الكنيست الإسرائيلي والكثير من مقرات الوزارات والمؤسسات الرسمية الحكومية الإسرائيلية كانت موجودة فوق أرض القدس المحتلة.

 

ما فعله ترمب هو فقط رفعٌ للبس كان قائما منذ زمن بعيد، وإسقاطٌ لآخر أوراق التوت التي كان الكثيرين يسترون بها ضعفهم وعجزهم وخوفهم. ترمب بكل "رعونته" يبقى أكثر الرؤساء الأمريكيين وضوحا وصراحة، لا يلوك كلماته ولا يخفي مشاعره الحقيقية. لذلك عجبت كثيرا عندما سمعت محللا ودبلوماسيا أمريكيا مخضرما هو نبيل خوري يتحدث على قناة "بي بي سي" ويصف ترمب وإدارته بـ"الغباء"، فالغباء هنا ليس هو قلة الفهم في السياسية وإنما هو "كشفه للمستور" الذي كانت تقوم عليه السياسية الأمريكية في الشرق الأوسط. فما فعله ترمب هو أنه كشف هذه السياسة على حقيقتها بدون "رتوشات" ولا عبارات "منمقة".

  

ترمب تاجر ونصاب ومحتال، وهذا ليس كلامي، وإنما هو كلام الصحفي الأمريكي دافيد جونستون الذي لديه خبره على مدى ثلاثين عاما، وهو غبي وأحمق وأهوج وأرعن كما تصفه وسائل إعلام أمريكية لكنه حتما ليس منافقا.. إنه يمارس السياسة بدون نفاق ولا تجميل ولا تزيين، وهذه إحدى أهم خصال ترمب إن كان لرجل أرعَن مثله خصلة يُحمد عليها! لقد وضع الجميع أمام "واقع" كانوا يهربون منه ويحاولون أن يتستروا عليه أو يتجنبوه. يقول الصحفي الأمريكي جونستون، وهو صاحب كتاب يحمل عنوانا مثيرا "صناعة دونالد ترمب"، إن ما يهم ترمب في كل خطواته هو "الربح والشهرة"، وهو بقراره الأخير أصاب العصفورين معا.

  

ترمب رجل صفقات وليس رجل سياسات. يبحث دائما عن الصفقة المربحة. وقراره الأخير أكبر صفقة في عمر رئاسته الذي أغلق بالكاد عامه الأول
ترمب رجل صفقات وليس رجل سياسات. يبحث دائما عن الصفقة المربحة. وقراره الأخير أكبر صفقة في عمر رئاسته الذي أغلق بالكاد عامه الأول
   

ترمب يتصرف مثل تاجر همه الوحيد هو الربح، ويتصرف كسياسي هدفه الأساسي هو الشهرة أو "البوز" حسب التعبير الرائج في وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فهو غير مكترث بتداعيات قراره، وربما لا يقدر خطورته، ولا يأبه بما قد تؤول إليه الأمور فيما بعد. كل ما يهمه هو ما سيربحه هو هنا والآن وقبل أن يجف الحبر الذي وقع به قراره.

 

ترمب واضح مع نفسه يعرف ما يريد ويسعى إلى تحقيقه بدون خجل أو مواربة. إنه رجل صفقات وليس رجل سياسات. يبحث دائما عن الصفقة المربحة. وقراره الأخير أكبر صفقة في عمر رئاسته الذي أغلق بالكاد عامه الأول. لقد حقق من خلاله قراره هذا أكثر من فائدة ربحية سترفع من رصيده الخاوي حتى الآن. فهو بقراره الجديد يسعى إلى صرف النظر عن التداعيات الخطيرة التي تلاحق رموز إدارته وأقرب مساعديه بسبب شبهة تورطهم في التعامل مع روسيا التي تبقى العدو الإستراتيجي والإيديولوجي الأول للولايات المتحدة الأمريكية.

 

الأمر لا يتعلق فقط بكسب مزيد من الوقت من خلال تعطيل التحقيقات وعرقلتها قبل أن تصل إلى الرئيس نفسه، وإنما الهدف أيضا هو تعبئة اللوبي الصهيوني في أمريكا وداخل مؤسساتها لتوفير حماية أكبر للرئيس، الذي أهداهم "قرارا تاريخيا"، من كل متابعة قضائية قد تؤدي إلى عزله أو محاكمته بتهمة "الخيانة العظمى".

 

أما الخاسر الأكبر في هذه الصفقة، أو بالأحرى من دفع ثمنها فهي حكومات الخليج التي باع لها ترمب الوهم عندما قايض حمايتها من "الخطر الإيراني" بتطبيعها وتحالفها مع إسرائيل. ومثل كل تاجر شاطر فقد قبض ثمن الصفقة قبل أن يسلم البضاعة، وهو أكيد لن يسلمها لأنه ليس فقط تاجر شاطر وإنما أيضا تاجر نصاب ومحتال، أخذ نحو 500 مليار دولار من دول الخليج عبارة صفقات لبيع أسلحة، وسلم القدس على طبق من ذهب لإسرائيل، وتراجع عن تهديداته لإيران ولن ينفذ أبدا وعده بإلغاء اتفاقها النووي وأبعد من ذلك لن يزج بجيوشه في حرب معها.

 

ومن يعتقد غير ذلك فهو إما واهم أو غبي، فإيران بالنسبة لترمب ورقة مربحة يستعملها للابتزاز والضغط على حكومات الخليج، وسيحتفظ بها كذلك مادامت في خزائن دول الخليج أموال. لقد قالها ترمب صراحة أثناء حملته الانتخابية عندما ابتزَّ دول الخليج بالقول بأن بلاده لن تستمر في حمايتهم بدون مقابل، لذلك فهو ليس بدرجة من الغباء لينهي هذه "الخدمة" المدرة لمليارات الدولارات، وإنما سيسعى إلى تضخيم "الخطر الإيراني" للنفخ في فاتورتها عند الدفع.

 

قرار ترمب الأخير لا يقل خطورة عن وعد بلفور قبل مائة عام، فقد جاء قرار ترمب بعد مائة عام ليوقع رسميا على وثيقة أطول وأكبر وأغلى صفقة في التاريخ
قرار ترمب الأخير لا يقل خطورة عن وعد بلفور قبل مائة عام، فقد جاء قرار ترمب بعد مائة عام ليوقع رسميا على وثيقة أطول وأكبر وأغلى صفقة في التاريخ
  

أما ردة الفعل العربية، ودرجة "الحمى" التي ستشهدها شوارع بعض العواصم العربية فلن تغير من الأمر القائم أو الذي سيُفرض مستقبلا أي شيء، ستُعقد اجتماعات وتصدر بيانات الشجب والإدانة والتنديد، وستٌفسح مساحات صغيرة في الشارع العربي للجماهير الغاضبة للتنفيس عن غضبها، وستنتهي القصة ويعود كل إلى بيته.>أما حكومات الدول الغربية المستنكرة والمستغربة فلن تتأخر عن التعاطي مع قرار ترمب كأمر واقع، فلا يجب أن نغتر بالبيانات "المنافقة" والتصريحات "المنمقة" التي صدرت عن حكومات وعواصم غربية.

  

قرار ترمب الأخير لا يقل خطورة عن وعد آرثر جيمس بلفور قبل مائة عام. رسالة بلفور منحت لإسرائيل أرض فلسطيين، وقرار ترمب جاء بعد مائة عام ليوقع رسميا على وثيقة أطول وأكبر وأغلى صفقة في التاريخ.التطور الأخير يأتي في سياق التسلسل المنطقى للأحداث، والمسؤولية فيما حدث ويحدث وسيحدث تقع بالدرجة الأولى على القيادات الفلسطينيين أولا وعلى الحكام والأنظمة العربية ثانيا. مسؤولية القيادة الفلسطينية ثابتة في التلاعب بقضيتهم التاريخية عندما  قبلت بشبه حل وشبه سلطة عام 1993 فيما سمي بـ "اتفاقات أوسلو"، فبسبب تلك الاتفاقات اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل فيما لم تعترف إسرائيل حتى اليوم بإمكانية قيام دولة فلسطينية. ونتيجة لتلك الاتفاقات اعترف الكونغرس الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإسقاط صفة العنصرية عن "الحركة الصهيونية". وبفعل تلك الاتفاقات فتحت أبواب التطبيع مُشَرَّعة مع إسرائيل، اقتصاديا وثقافيا وإعلاميا..

   

مائة عام من وعد بلفور أعطت المنطقة والعالم كل هذا الكم الهائل من الحروب والمآسي الإنسانية المتواصلة، وقرار ترمب يفتح المنطقة والعالم على أبواب جهنم جديدة

أما المسؤولية من درجة ثانية فتقع على الحكومات والأنظمة العربية التي حولت القضية الفلسطينية إلى "أصل تجاري" للمقايضة، والمزايدة، والمضاربة، والقمع، والاعتقال، وتكميم الأفواه، والفساد، والسرقة.. باسم "القضية"، وتحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"! وكانت آخر مسؤوليات هذه الحكومات والأنظمة الفاسدة والمستبدة هي قمعها ووأدها لـ "الربيع العربي" الذي فتح لأول مرة في تاريخ المنطقة نافذة للشعوب للتعبير بحرية عن إرادتها. فهل كانت ستتطور الأمور إلى هذا الدرك الأسفل الذي وصلته لو لم تعمل أنظمة عربية على إفشال ثورات الشعوب العربية؟!

 

المسؤولية الكبرى فيما وقع تتحمله كل القوى الرجعية التي عملت على إفشال "الربيع العربي". والمسؤولية تقع أيضا على من يحاولون أن يجعلوا من إيران عدو العرب الأول، ويُسوِّقون "الخطر الإيراني" لفتح أبواب التطبيع مع "الخطر الإسرائيلي" الحقيقي، فإلى متى سيبقى العرب يعتبرون إيران أخطر من إسرائيل؟

 

قضية فلسطين أكثر تعقيدا مما قد يتصور الكثيرون، فهي ليست مجرد قضية احتلال أراضي، أو عودة لاجئين شردوا منذ سبعين سنة، أو ظلم تاريخي لحق بشعب بكامله، أو حقوق ضائعة، إنها قضية معقدة يتداخل فيها ما هو سياسي وعقائدي وتاريخي وإنساني.  فهل كان يمكن أن يوجد هناك شخص اسمه عبد الله عزام وأسامة بن لادن، أو هل كان يمكن أن تقع أحداث كبرى مثل تلك التي وقعت في نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001، لو لم تكن هناك "قضية" تٌشرع لأصحابها "كرههم" للآخر و"حقدهم" عليه؟ هل كان سيكون هناك شيء اسمه "الإرهاب" يتخذ أصحابه من الدين ذريعة لتبريره وتسويغه؟

 

مائة عام من وعد بلفور أعطت المنطقة والعالم كل هذا الكم الهائل من الحروب والمآسي الإنسانية المتواصلة، وقرار ترمب يفتح المنطقة والعالم على أبواب جهنم جديدة من الحروب المآسي المتوقعة والتي قد تستمر عشرات السنين المقبلة.. 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.