تابعت فيلم "الحصاد المر" (Bitter Harvest) الذي أخرجه جورج ميدلوك عن مأساة تعرضت لها أوكرانيا عام 1932 على يد السفاح جوزيف ستالين فجوّع أهلها بقرار سياسي لإخضاع البلد لسلطته فكان ضحية ذلك بين 3 – 8 ملايين إنسان قضوا جوعاً على حسب تباين الأرقام، فالقتلى بعد القتيل الأول تتحول إلى أرقام كما قال لينين، ما دام هو ونظامه وإرثه حتى اليوم كما ظهر من خلال الغزو الروسي لأفغانستان والشام ومن قبل الشيشان وغيرها أن قتلاهم أرقام فقط.
الفيلم الذي وثق مجزرة يندى لها جبين الإنسانية لم يُعجب الكثير ممن طُلب منهم تقييمه على وسائط التواصل الاجتماعي لا لشيء سوى لأن الحقيقة أقوى من التمثيل، والخيال الإنساني في تخيل من قضوا بهذه المأساة أقوى من أن يمثلها ويعكسها أحد، وعلى الرغم من أن المخرج قضت والدته جوعاً في هذه المأساة المروعة إلاّ أنه لم يستطع على ما يبدو إقناع المشاهدين بأن ما مثّله هو ما جرى لملايين البشر.
تابعت الفيلم وتابعت تفاصيل إذلال بني الإنسان وتحديداً المرأة وسعيت إلى عقد مقارنة بين ما جرى بالأمس في أوكرانيا وما يجري اليوم في الشام، لأجد أن ما يجري اليوم أضعاف مضاعفة لما جرى بالأمس، فهل وثّق أحدٌ الجريمة كما وثقها السوريون؟! فها هو قيصر يوثق 55 ألف صورة لمن قضوا تحت التعذيب بطريقة وحشية ستعجز كبرى شركات هوليود وبوليود وغيرهما على أن يأتوا بمثل ما أتت به كائنات طائفية في الشام، وهل ستقوى شركات الإنتاج العالمية ذات الأبعاد الثلاثة على الإتيان بمثل ما أتت به العصابات الطائفية يوم ذبحت الناس بالسكاكين في مجازر بانياس وحمص وغيرهما، ويوم تفتقت عقليتها الإجرامية عن براميل وحاويات متفجرة تلقيها على تجمعات سكنية فتستهدف أول ما تستهدف الأسواق والمخابز، إنها عقلية اللواء جميل الحسن مدير المخابرات الجوية التي تعلم وتدرب قادتها وعناصرها في النظام الستاليني اللينيني، فكان هذا الجهاز المخابراتي الخطير الذي تتقازم أمامه أفعال وتصرفات الكي جي بي والجستابو والسافاك وراو الهندية والخاد الأفغانية.
أينما تتجول في مدن وقرى وبلدات الشام اليوم صحافيا ومتابعا، ستجد ألف قصة وقصة مما يصلح لأفلام هوليودية، استوقفني في الفيلم إذلال المرأة الأوكرانية ولكن لم يصل الأمر إلى ما وثقته منظمات حقوقية من خلال شهادات السجينات السوريات اللواتي قضين في سجون الطائفيين اغتصاباً وقتلا وسحلاً، وشدتني أيضاً تلك الفتاة الأوكرانية التي احتضنت خبزها فجعل منها الأوكرانيون تمثالاً لتوثيق مآساتهم، فقلت في نفسي هل سيجعل أولادنا وأحفادنا غداً تماثيل يوثقون مجازر ومآسي ومجاعات وقصف وكيماوي، ففي كل قرية وبلدة نحتاج لتماثيل ومتاحف توثق الهولوكوست الطائفي والاحتلالي.
لم يسبق أن وُثقت ثورة أو حدث بالصوت والصورة والكلمة كما وُثقت الثورة السورية، وعلى الرغم من شطب اليوتيوب لمقاطع تدين القاتل والاحتلال إلاّ أن الناشطين وثقوا تلك الجرائم، ومع هذا نرى قحطاً وتيبساً على مستوى الإنتاج الأدبي والروائي والشعري لما يجري في الشام، وهذا يستدعي أن تُسلّ الأقلام وتُشحذ الكاميرات من أجل توثيق ما يجري لكن بشكل قصصي وروائي وفيلمي بعيداً عن توثيق الحدث الآني المجرد ليُترك لاحقاً لأهواء ونزوات من يقرر وضعه في السياق الذي يريده.
بعد ذاك الفيلم الذي شاهدته حرصت على مشاهدة فيلم آخر وهو فيلم عازف البيانو الذي أكد لي حقيقة مهمة تعلمتها من الفيلم الأول وهي أن العالم لم يتغير للأفضل منذ حصار أوكرانيا لكن عقلية البعض الإجرامية أبدعت في التفنن بمجالها والفيلم يروي قصته الجميلة البولندي فلاديسلاف شبيلمان، فكان الخيار أمام عازف البيانو الموت تضوراً من الجوع خلال الحرب العالمية الثانية، أو الوقوع بأيدي أعدائه، فيلم أحداثه تتكرر وبدلاً من أن يكون بطل الحكاية عازفاً للبيانو نراه في الغوطة وغيرها من المدن السورية المتضورة جوعاً، ولكن كما أخذ هذا العالم عقوداً ليعرف قصة عازف البيانو، ربما بحاجة للفترة نفسها أو أكثر ليعرف حجم إجرام العالم بصمته وصمت مؤسساته، لاسيما بعد أن تبين أن كثيراً من المواد الغذائية للأمم المتحدة ومؤسساتها تذهب إلى جنود طاغية الشام الذين يحاصرون رضعا عازفين لحن الحرية، وهو عزف ليس لأسماع هذا العالم المجرم المشغول بعزف ألحان الإجرام والحصار والموت والقتل والكيماوي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

