القدس.. صفقة ترمب والذين معه

JERUSALEM, ISRAEL - MAY 23: (ISRAEL OUT) US President Donald Trump (L) and Israel's Prime Minister Benjamin Netanyahu delivering a speech during a visit to the Israel Museum on May 23, 2017 in Jerusalem, Israel. U.S. President Donald Trump spend his second and final day visited Mahmoud Abbas in Bethlehem, then visit the Yad Vashem Holocaust memorial and delivering an address at the Israel Museum, both in Jerusalem, before departing for the Vatican. (Photo by Lior Mizrahi/Getty Images)

في الأول من شهر يونيو الماضي وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على قرار تأجيل نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، وهي العادة التي دأب عليها الرؤساء الأمريكيين منذ إقرار الكونجرس لنقل السفارة عام 1995 مع إعطاء الرؤساء صلاحية تأجيل التنفيذ لمدة 6 أشهر متجددة لحماية "مصالح الأمن القومي"، وواظب الرؤساء منذ حينها على تأجيل تنفيذ القرار مرتين سنويا، إلا أن ترمب قام بقلب الطاولة يوم الأربعاء بتنفيذ وعده الانتخابي والأمر بالبدء فورا في نقل السفارة إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال وهو ما مثل اطلاق الرصاصة الأخيرة على اتفاقية أوسلو ووقف ما يُسمى بمفاوضات السلام، إلا أن توقيت ذلك القرار كان يحمل الكثير من التفاصيل المسكوت عنها.

 

بداية لا يمكن فصل هذا القرار الكارثي عما يدور في الداخل الأمريكي وباقي العواصم الحليفة لترمب والتي ساهمت وساعدت في اصدار هذا القرار، فخلال الأسبوع الماضي اعترف مايكل فلين، مستشار الأمن القومي السابق لترمب بكذبه على مكتب التحقيقات الفيدرالية بشأن تواصله مع مسؤولين روس فيما يُعرف بقضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، وذلك بعد أسابيع من اعتقال مدير الحملة الانتخابية لترمب "بول مانفورت"، وقد نقلت شبكة ABC الأمريكية عن بعض المقربين من فلين بأنه يستعد للشهادة بأن ترمب نفسه هو من وجهه للتواصل مع الروس، وهي التهمة التي إن ثبُتت فإنها كفيلة ليس بالإطاحة بترمب من الرئاسة وحسب وإنما قد تصل به إلى أبواب السجن.

 

تلك الأزمة التي يواجهها ترمب والتي قد لا تمكنه من بلوغ موعد التجديد القادم لقرار نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس ربما كانت الدافع لإصداره هذا القرار المفاجئ، وهو ما يدل على مدى إخلاص ترمب لكيان الاحتلال الصهيوني الذي لم ينكره يوماً وإنما كان أحد أبرز شعاراته ووعده الانتخابية، إلا أن هذا الإخلاص لم يكن وحده كفيلاً بهذا الأمر الكارثي وإنما كان هناك الكثير من الداعمين له في هذا الشأن وعلى رأسهم محمد بن سلمان ولي العهد السعودي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، والذين هم مفاتيح صفقة القرن، والذين يواجهون هم كذلك أزمات داخلية ربما كانت القدس ثمن ما يريده كل منهم.

 

undefined

 

كما أراد ترمب أن يُخلد ذكراه عند حلفاءه الصهاينة بقرار الاعتراف بالقدس عاصمة لدولتهم قبل أن تتدهور به الأحوال في قضيته يواجه نتنياهو هو الأخر نفس الظروف تقريبا، فخلال الأشهر الماضية خضع رئيس وزراء دولة الاحتلال وزوجته للتحقيق مراراً في قضايا رشاوي وفساد وخيانة الأمانة العامة، وهي التهم التي فشل نتنياهو في دحضها أمام المحققين بعد مواجهته بشهادات بعض المتورطين وفق ما نقلت الصحافة العبرية عن المحققين، تلك التحقيقات التي تتزامن مع مطالبات باستقالة نتنياهو من منصبه وجهها له بعض كبار قادة دولة الاحتلال بالإضافة إلى المظاهرات الأسبوعية التي تذهب أمام بيته تضم عشرات الألاف من المطالبين باستقالته، لذا فقد جاء قرار نقل السفارة كدعم كبير لنتنياهو أمام الرأي العام الإسرائيلي والذي إن لم يدعمه ويخفف عنه الضغط في التحقيقات التي يواجهها فإنها ستكون فرصة لتخليد اسمه في تاريخ الكيان قبل الإطاحة به من المنصب.

 

وعلى الصعيد الأخر يقف كل من محمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي كأكثر الداعمين لدولة الاحتلال، فالأخير كان أول من تحدث علانية عن صفقة القرن في لقاءه مع ترمب، تلك الصفقة التي إن لم يكن أفصح عن تفاصيلها فإن الأيام أوضحتها جلياً بالتنازل عن القدس وتيران وصنافير وما يستتبعهم لإنشاء شبه دولة للفلسطينيين خارج أراضيهم وتركها لدولة الاحتلال الصهيوني، ويأتي توجه السيسي في تلك الصفقة ودعمه الشديد لها وراء أمله في الدعم الصهيوني له بالمقابل في الانتخابات الرئاسية القادمة والمساهمة في اخراص أي صوت يُندد بما يمكن أن يفعله في سبيل الاحتفاظ بالعرش، ومع اقتراب موعد بدء إجراءات الانتخابات أتى قرار ترمب بدعم كامل من السيسي.

 

وعلى نفس شاكلته يأتي دور الأمير السعودي والذي فضحت صحيفة نيويورك تايمز بتهديده للرئيس الفلسطيني محمود عباس بالضغط لعزله من المنصب حال اعتراضه أو اقدامه على قرارات قوية ضد "صفقة القرن" والتي يأتي جزء منها التخلي عن مدينة القدس والتنازل عن حق عودة اللاجئين وبقاء المستوطنات الإسرائيلية والحصول مقابل ذلك على شبه دولة فوق فتات الأراضي الفلسطينية وبعض أراضي سيناء المصرية التي من الواضح أن السيسي سيتخلى عنها للصهاينة، وهو ما وصفته الصحيفة الأمريكية بأنها أكثر خطة انحيازاً للصهاينة في التاريخ، ويأتي موقف بن سلمان تزامناً مع تقاربه الشديد للكيان الصهيوني وحلفائهم في البيت الأبيض والذين يساندونه هم الأخرون بقوة في مساعيه لتولي حكم المملكة وفرم مراكز القوى والمعارضين له في الداخل.

 

وعلى ذلك، فقد كان ضياع القدس جزء من صفقة القرن التي جمعت كل هؤلاء وغيرهم من الحكام العرب الذين أصبح أخر ما يشغلهم الحق الفلسطيني أو القضية الفلسطينية، لذا فلم يكن من الغريب ما قاله وزير الاستخبارات الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" بأن قرار ترمب نقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال قد جاء بالتنسيق مع قادة دول عربية، وذلك في لقاء على القناة العاشرة العبرية والتي كانت نشرت قبل هذا اللقاء خبراً عن أن القرار جاء بتنسيق كامل مع قادة مصر والسعودية، ليخرج هؤلاء بعد ذلك ببيانات تنديد وإدانة تُشبه الشعارات المكتوبة فوق علب السجائر تقول ان التدخين ضار جدا بالصحة دون أن تُكمل "ولكنه مربح لنا جدا"، فالحق والكرامة والشرف أشياء لا تشترى ولكنها أصبحت تُباع عند هؤلاء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان