السجين السياسي ميت تحت الإقامة الجبرية

Blogs- prison
ربما يكون في الموت راحةً للإنسان، وأحياناً يكون مطلباً صعب المنال يسعى إليه طالبه بكل الوسائل والسبل لكن هيهات هيات! فهذا المطلب الصعب وهذا الحلم الجميل المريب يحتاج إلى حظٍ كبير ورضى والدين من العيار الثقيل! فهناك من يريدك أن تبقى حياً؛ لتعرف الوجهة الجميل للموت ذاك المرعب المخفيف الذي يفرُ منه كلُ البشر. يريدك أن تبقى على قيد الحياة لأن في بقائك حياً متعة ولذة لا نظير لهما!
  
فالسجين السياسي هو ذاك الشخص الحي الميت الذي يمارسُ ضده أعلى درجات التعذيب والسحق والامتهان، حيٌ يتجرع شتى صنوف الألم والعذاب، فكل يوم و ربما كل ساعة يذوق صنفاً جديداً من صنوف العقاب التي طورتْ خصيصاً لسحقِ كلِ صاحبِ أيدوليجية أو أفكارٍ سياسيةٍ تتعارض مع أيدوليجية الأنظمة الحاكمة، ولنهش كل من لا يدور في فلكها و يغرد خارج سربها؛ لتعزله بذلك عن مجتمعه محاولةً بذلك ردعه وإعادته إلى رشده ليسبح بحمد النظام ويسير على خطاه.
  
مقيتةٌ هي العلاقة بين السجن والسجين والسجان، علاقةٌ رابطها الأسى والألم، فتلك السجون بزنازنها الموحشة وأقبيتها المظلمة شاهدةٌ على أبشعِ أنواع الألم الذي يمارسه سجانٌ إستمد سلطةً مطلقةً من صاحب السلطة المطلقة فأخرج أسوء ما في نفسه البشرية على إنسانٍ فقد كل حقوقه الإنسانية بمجردِ دخوله أقبية الظلمِ والإضطهاد.
 
يروي السجين السياسي السابق مصطفى خليفة تفاصيل ما يزيد على ثلاث عشرة سنة قضاها في سجن تدمر السيئ الصيت في روايته الشهيرة"القوقعة" حيث كان قد أعتقل من مطار دمشق الدولي عقب أحداث حماة الشهيرة بعد عودته من فرنسا. يروي خليفة تفاصيل مريبة لحالات تعذيب كانت تمارس ضد السجناء في سجنٍ يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، فمن جملةِ ما رواه أنه كان يجبر السجين على شربِ ماءِ الصرف الصحي المتدفقة في أروقةِ المهاجع، وذات يومٍ أجبر أحد السجناء على إبتلاعِ فأرٍ ميت، عدا عن مسلسل الضرب المستمر وسيل الشتائم المنهمرِعلى أولائك التعساء، هذا ظلم، هذا قهر، أوليس الموت أفضل من هذا القهر؟!
 

مجرمون في نظر النظام، مناضلون في نظر الشعوب، مادةً دسمةً للإعلاميين، لعبةً مسليةً للسجانين، لكنهم قبل أيِّ شيء أنفسٌ بشريةٌ وأجسادٌ غضة تتعرض لكمٍ هائلٍ من الأذى 
مجرمون في نظر النظام، مناضلون في نظر الشعوب، مادةً دسمةً للإعلاميين، لعبةً مسليةً للسجانين، لكنهم قبل أيِّ شيء أنفسٌ بشريةٌ وأجسادٌ غضة تتعرض لكمٍ هائلٍ من الأذى 
 

كما يروي آخر وهو طبيب سُجن في ذات السجن عن صنف مريب من العذاب حيث أنه كان يُجلس السجين على كرسيٍ من حديد أزيل قاعه وبعد أن يشد وثاق السجين بسلاسل حديدية يتم وضع شمعة مشتعلة تحت الكرسي لتحرق لحمه وشحمه وسط صرخاتٍ لا يسمعها إلا سجان لا يرحم و جدران لا تفهم لغة الألم.

المرأةُ أيضاً لم تكن بعيدةً عن كل ذلك الألم فصاحب السلطة المطلقة أصر على أن تكون المرأة شريكةً للرجل في العذاب، تروي لنا الحاجة زينب الغزالي السجينة السياسية السابقة في كتابها "أيام من حياتي" المآسي التي ذاقتها في السجن، فقد كانت كما تروي تعذب حتى تفقد وعيها، فالسجان كان ينهال عليها ضرباً بالسياط بدون شفقةٍ ولا رحمة، وتروي أنها كانت توضع في بركة ماءٍ بارد حتى تصبح ليستملك البرد جسدها المنهك المتعب، أوليس هذا كثير على هذه الأجساد الغضة؟!
 
ما تم ذكره غيضٌ من فيض فما يمارس ضد السجين السياسي في البلاد العربية كثير وكبير والمخفي أعظم وأكبر، وما يتم إنفاقه على بناء السجون وتأهيل السجانين وتدريبهم على طرق متطورة في التعذيب الجسدي والنفسي كفيل بإنهاء معانات الكثير من البشر وكفيل أيضاً بتأهيل وتطوير مهارات الكثير منهم للنهوض بالأوطان وتشيدها وإنقاذها من العديد من الأزمات التي تمر بها.
 
مجرمون في نظر النظام، مناضلون في نظر الشعوب، مادةً دسمةً للإعلاميين، لعبةً مسليةً للسجانين، لكنهم قبل أيِّ شيء أنفسٌ بشريةٌ وأجسادٌ غضة تتعرض لكمٍ هائلٍ من الأذى الجسدي والنفسي، فالسجين السياسي ميتٌ يرتدي ثوب الأحياء يعيشُ على أملِ الخروجِ من قبرِ السجن ليمارس إنسانيته بجسدٍ مشوه وذاكرةٍ مبتورة، فهل يستحقُ السجين السياسي كل ذاك الألم؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان