
براميلٌ متفجرة تدفن أُسراً بأكملها تحت الأنقاض، ومن ينجو منها يفقدُ عقلَهُ من بشاعة المنظر وأشلاءِ القتلى أو يصاب بشللٍ كاملٍ في أطرافه، لا يستدعي هذا كله تحرّكاً دولياً طارئاً بقدرِ ما تُعبَّأ كل الفعاليات والإمكانيات والطاقات من أجل عقدِ مؤتمرٍ في عاصمةٍ من العواصم الساحرة لمناقشة فرضية رحيل الأسد.
دولةٌ عربية عريقة تحمل إرثاً تاريخيا ثقيلاً أُفرغتْ من سُكانها قتلاً وذبحاً وتنكيلاَ، هُدّمتْ كل مؤسساتها المدنيّة، أُلغيَ للأبدِ خِيار العيش فيها أو محاولة العيش فيها، جُرّبتْ عليها أحدث ما توصلت إليها تقنيات الأسلحة المتطورة الأكثر فتكاً بالإنسان من صناعة روسية وأمريكية خالصة، وما زِلنا نَرى العالمَ المتملّق يجتمعُ حولَ رحيل الأسد عن مقاليد الحكم، وبالتالي فهذه الجملة لا يُنصحُ بها أبداً لمرضى السكري والضغط الدموي من يملكون ذرّةً من الإنسانية تَهزُّهم عند سماع هذا الهُراء.
اعذُروني كوني استخدمتُ عبارة "أضحوكة" رغم أن الألمَ والضحكَ لا يجتمعان، ولكن الأمرَ حقيقةً يبعثُ على الأسى والحسرة، ضحكٌ على الذّقون بكل ما تحملهُ الكلمة من معنى كما يظهر جليّا كالشمس الساطعة في كبد السماء. أرضٌ خلاء صُفّي سُكانها الأصليّون أصحاب الحقّ والتاريخ وبقيَ المجرمون يقتتلون فوق تُرابها كلٌّ يجري وراءَ مصالحه وترسيخ نفوذه وقواعده.

كيف يُمكن لعاقلٍ أن يتحمّلَ هذا الكلامَ وهذا الاستفزازَ الصّارخ الفاضح؟ كيفَ للمعارضة السورية أن تستمرَّ في لعبِ دورٍ مُبهمٍ في مسرحيةٍ مفضوحةِ المشاهدِ والفصول؟ كيف لها أن تجتمعَ في طاولةٍ واحدة من أجل حلٍّ غريب عجيب يُتداول على نطاقٍ واسع منذ أكثر من سبعِ سنواتٍ عجافٍ تحت مسمى رحيل الأسد، إلاّ أن تكونَ طرفاً في أنهار الدماء وفي المؤامرة المُدبّرة ضد الشعب السوري والمنطقة برمتها بعد أن تحولتْ سوريا إلى بلدِ أشباحٍ لا يقطنه سوى المرضى النفسيّين المتعطشين للدّماء.
للأسفِ هذا زمنُ القوة، فإذا مَلكتَها كنتَ عادلاً ولو بلغَ جَوْرُكَ عنان السماء، ورحيماً ولو قتلتَ نصف سكان الكرة الأرضية، وديمقراطياً إلى أبعدِ الحدود ولو وصلتَ سدّةَ الحكم على ظهرِ دَبّابة، فإذا وُجدتِ القوةُ انقلبَ منطقُ الأشياء عندَ صاحبها رأساً على عقب وصارت الأمور كلعبةٍ في يدهِ يُحوّلُها كيف يشاء، فيفتتِحُ مثلا حفلاً رياضياً عالمياً كالحمَل الوديع ويده ملطخة بدماء أطفالٍ صغارٍ قَضوا نحبَهم للتوِّ بصواريخه التي لا ترحم وهم ينتظرون رغيفَ الخبز في طابورٍ طويل، أو يأتي بطائراتهِ الحربية كيْ ينشرَ السلام والوئام في بلدٍ لم يعدْ فيهِ جدارٌ واحدٌ قائم بذاته، فيقف إلى جانب الظالم ويعاقبُ المظلوم، هذا هو منطقُ القوة وضريبة الضُّعف والخنوع.
كفانا من هذه العبارة المُقزّزة، فرحيلُ الأسد قرارٌ ليس بيدِ الأسد نفسِه ولا بيدِ معارضيه ولا حتى حُلفاءه من روسيا وإيران، انتظروا حتى يصدُرَ البيتُ الأسود قرارَهُ بعد انتهاء دورِ الأسدِ وتقليمِ أظفاره المركّبة، ثُمّ يكون بعد ذلك ما يَكون.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

