لا عدل إلا إن تصادم الحقد بالحقد!

"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا".. "اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" دائما ما أقف عند الأخيرة وأتساءل لما لم يقل والنَّاس وخصها بأكثر من آية.. وقوله تَعَالَى "وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ" هل هذه الآية تجوز في المعاملات المادية فقط أو يتجاوزها إلى جوانب التعامل الحسية والمعنوية!؟

 

تأتي آيات الكتاب لتذكرنا دائما أن النبيل -المؤمن- لا يسعد بشقاء غيره لا معنويا ولا ماديا ولا حسيا، مهما كان هذا الغير، فالحقد والتطفف نارٌ تتوقّد في الأجواف، ويظنُّ كثيرون أن شقاء غيره هو من سيطفئُها، في حين أن العاقل يسكتها حينما يتأمل فائدة العذاب المرجو، والذي لن يجده شيئاً يستحقُ العناء، ولذا فلا تراه مشغلاً نفسَهُ بالأحقاد وأسراها، لأنه لم يسمح لها بالاتقاد أصلاً. إن تجاهل الشيء نفيٌ اختيارٌ لوجوده، وهي مصادرة للأرض التي كان الآخرون يبذرون فيها أشواكهم المؤذية.

 

لكن لما يبذر الآخر منّا الشر وهل ما نعتقده شراً هو بالنسبة له شيء عادي؟! بل أنه حتى يعيش وكأن شيئاً لم يكن تاركاً ناراً تشتعلُ لدى الآخر، الآخر الذي هو أنا وأنت وغيرنا. لما نتمنى الشر للناس ونحنُ نعلم "وِإن اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ"!

 

التعقل هو أن نقوم بعملية "مذهلة" من تطهير النفس من الانطباعات الحانقة الرعناء، تمهيداً لاتخاذ الموقف الأصح بعيداً عن إملاءات الانفعال
 

"أحياناً تظن ان الله ابتلاك ثم تكتشف ان ألله لم يبتليك بل أنقذك من البلاء". ما وجب أن يشهد الإنسان الله عليه أنه أدرى الناس بنفسه عندما ينوي الخير أو الشر، فنيته كثيراً ما تكون تحتَ عينه، لا يخفى عليه منها خافية.. إن أكثر أفعالنا -كبشرٍ أسوياء- نقومُ بها عن سابق إصرار وتعمّد، ومن أشكلت عليه نيته فعليه أن يبادر نفسه بالعلاج، وأن يتجنّب الوعّاظ، المولعين بالتصوف الوسواسي، الذين تتآزرُ غضاتهم السقيمة عليهم حتى تشككهم في حقيقة مقاصدهم، فترى الواحد منهم مريضاً بنواياه، و-في كثيرٍ من الأحيان- لا يختلفون عن المشعوذين، فكلاهما ينشر الخرافةَ والوهم؛ إذ الحكمة النبوية تقول: "أشققتَ عن قلبه..؟!" إذا أدرك الإنسان هذه الحقيقة فإنه في غُنية عن دروسٍ مدخولة في أصول النية الحسنة، تلك المشكوك في دوافع وعقول مسديها.. واللهُ من ورائهم محيط.

 

أغلبنا يرتكبُ الإثم العظيم مختاراً، كما يمشي إلى الصالحات الجليلة راغباً، من أولئك الذين قيل فيهم: "وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ".

 

"أبعد عني الحقد؛ تلك النزعة المدمرة، ذلك السم الذي يدمر القلب والكبد. لا تجعلني أثأر في بيوتٍ أخرى، في ضمائر أخرى. أعطني القدرة على أن أنسى، أن أستنكر، أن أرفض الرد على الحقد بالحقد. اجعلني في مكانٍ آخر"

الطاهر بن جلون، تلك العتمة الباهرة

 

إن الرغبة في التعالي عن الأحقاد تدلُّ على تسامٍ جميل ومثير للإعجاب حقاً، فمن خُلق للعلو لا تراه إلا مستوحشاً من الانحدارات المتسفلة. كثيراً ما أرى الرغبة في الانتقام متولّدةً من حقدٍ ما، فلنتأمل إذن فيما يجعلنا "نحقد" على الآخرين، وأظننا سنعودُ مـن هـذا الـتأمل مدركين بأن الأحقاد حالةٌ متوتّرة تبدو كالناتجة عن غياب التعقل، أي غياب النظرة التي تأخذ العواقـب بالاعتبار، فحينما يتلبّسُنا الحقـد فنحنُ أكثر ما نكون استسـلاماً للحـماقات، وهي الحالة التي تعزبُ فيها عقولنا عن القـيام بإجراء التقييمات الحـقيقية للمواقـف المخـتلفة، وهـذا ما سيطلقُ العنانَ لردود الفعل الطائشة، وهي لاحقاً ما سيجرُ علينا نـدماً موجعاً.

لا أرى في التشفّي ما يمكن أن يكون فائدةً حقيقية، فالمتشفّيُ يشبه المتروّى بالسراب، نحن فقط نوهم أنفسنا بالانتصار إن استطعنا إيقاع الأذى بمن نعتقد أنه يسـتحق

إن التعقل هو أن نقوم بعملية "مذهلة" من تطهير النفس من الانطباعات الحانقة الرعناء، تمهيداً لاتخاذ الموقف الأصح بعيداً عن إملاءات الانفعال، أي أن نعيد القيادة للعقل بعد تخليصه من الشوائب والمعكّرات، فالرؤية والتصور الأنقى لا بدَّ تتقدم أيَ عملية اتخاذ موقف رشيد، ونحنُ عندما نكفُ عن النظر إلى أنفسنا في مرايا الغير، فهذا سيمنحنا قدراً كبيراً من الثقة والاطمئنان، لا بأننا قد بلغنا الكمال في كل شيء، بل لأننا لسنا بالسوء والضعة التي قد نرى بها أنفسنا في مراياهم.

 

إن الثقة هي أن يفهم الإنسان ذاته، ثم يضعها موضعها الواقعي تبعاً للمعيار الصحيح، وهذا ما سيجعله أقل اكتراثاً بإساءات الغير، لأنه قد تمكّن من تحطيم مراياهم، أو أنه قد اكتشف أن مراياهم تعكسهم هم لا هو، من ثمَّ سيكون أقل تعرضاً للإصابة بالحقد والضغينة، وهذا ما سيريحه من التفكير بالانتقام كثيراً.

ثم إنني لا أرى في التشفّي ما يمكن أن يكون فائدةً حقيقية، فالمتشفّيُ يشبه المتروّى بالسراب، نحن فقط نوهم أنفسنا بالانتصار إن استطعنا إيقاع الأذى بمن نعتقد أنه يسـتحق، في حين أنها لا تعـدو أن تكـون أواهماً محضة، فإن آلام الآخرين لن تكون مصدراً لسعادتنا، كما أن النبيل لا يسعـد بشقاء غيره، مهما كان هذا الغير، فالحـقد نارٌ تتوقّـد في الأجواف، ويظنُّ كثيرون أن الانتقام هو من سيطفئُها، في حين أن العاقل يسكتها حينما يتأمل فائدة الانـتقام المرجوة، والتي لن يجدها شـيئاً يستحقُ العناء.

 

كما أنه -أساساً- قد اقتلعَ مباعث الانتقام الأولى من نفسه، ولذا فلا تراه منشغلاً نفسَهُ بالأحقاد وأسـرارها، لأنه لم يسمح لها بالاتقاد أصلاً. إن تجاهل الشيء نفيٌ اختيارٌ لوجوده، وهي مصادرة للأرض التي كان الآخرون يبذرون فيها أشواكهم المؤذية، كما أننا نعلم ثواب العافي عن الناس، فالعفو والمسامحة أجلبُ للراحة والأجر. ووالله إنها ليسيرةٌ على من يسرها الله على عليه!



حول هذه القصة

لم تمض ساعة واحدة على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب “اعترافه” بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل حتى خرج مئات الفلسطينيين والعرب والأتراك أمام السفارة الأميركية في برلين للتنديد بهذا الإعلان.

استحوذ قرار الرئيس الأميركي نقل سفارة بلاده إلى القدس على تغطيات الصحف الفرنسية؛ تعليقا وتحليلا ومناقشة، وذهب بعضها إلى ربط هذه الخطوة بالتقارب الإسرائيلي السعودي.

تجمع عشرات الصحفيين المصريين في مقر نقابتهم وسط القاهرة مساء أمس احتجاجا على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب نقل السفارة الأميركية للقدس، وأحرقوا العلم الإسرائيلي وصور ترمب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة