قرر ترمب.. فماذا قررنا نحن؟

"قررت أن الوقت قد حان بأن القدس عاصمة لإسرائيل (دولة الاحتلال)، وأنا أفي بما وعدت."

بهذه الجملة أعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في خطابه الذي انتظره العالم. جملة قرر فيها ترمب إهداء أقدس مكان لدى أكثر من مليار ونصف المليار مسلم لدولة محتلة لأرض فلسطينية. وهذا الأمر يعيدنا إلى تذكر الوعد البريطاني بإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين. فلا غرابة في أن الأمر مرت عليه مائة عام فالوعد الأول تم سنة 1917 والثاني تبدل عداد السنين إلى 2017 في وعد آخر تعطى فيه هذه المرة القدس للمحتل عاصمة له. والغريب وفي سابقة أخرى في القرن الواحد والعشرين، أن تعلن دولة أمريكا عن جعل عاصمة لدولة أخرى ليس لها أي حق قانوني أو شرعي على هذه الأرض، وكأن القدس من تركة إرث ترمب.

لقد قام ترمب وفي تجاهل تام وصريح لكل القرارات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة، إضافة إلى ضربه بعرض الحائط كافة ما قيل عنها تحذيرات من قبل رؤساء دول لها وزن بمجلس الأمن مثل الصين وروسيا والاتحاد الاوروبي، ناهيك عن عدم الاكتراث بالاتصالات والتحذيرات لدول عربية وإسلامية. لقد قال ترمب لكل هؤلاء ليس لدي أي اهتمام بما قلتم أو أرسلتم لي. سياسة تدل على أننا ما زلنا نعيش بعقلية الطغاة الجبابرة في القرون الوسطى، ولكن نعيشها في هذا القرن الجديد. والذي ربما تتشكل فيه أمور جديدة على غرار ما تم بداية القرن الماضي.

لقد أوفى ترمب بما وعد إبان فترة الانتخابات الأمريكية، بما يعني أنه جاد فيما يقول. كما أني لم يكن لدي أي شك في اتخاذ قراره هذا والتوقيع عليه وأمام الإعلام وبالبث المباشر، وكانت هنالك مؤشرات ودلائل على أنه سيأخذ قراره بهذا الشكل الذي أعلنه. فاتصاله ببعض قادة المنطقة وإخبارهم بنيته الإقدام على الأمر، وصدور تصريحاتهم التحذيرية يدل على ذلك. كما أن خروج نتنياهو بتصريح على وسائل التواصل الاجتماعي وهو مسرور دليل آخر، إضافة إلى تصريحات رئيس دولة الاحتلال رؤوفين بالأمس وهو يدعي بأنه ولد بالقدس، وأن من حق الاحتلال أن تكون له عاصمة دليل آخر، كما يوحي أن الأمر طبخ ورتب وخطط له، فما كان يلزم سوى التنفيذ. بالفعل جاء الشخص الشجاع الذي أعلن الوفاء بالوعد الذي قطعه للمحتل.

يبقى الأمر الوحيد الذي يمكن التعويل عليه هو الشعوب العربية فيجب عليها أن تقول كلمتها، كما يجب على مسؤولي الدول ترك المجال للشعوب للتعبير عن حقها 

لقد فعل ترمب ما لم يقدر عليه من سبقه من رؤساء، وأنا لا أميل لهذا الطرح، فالرؤساء الآخرون كل منهم كان يتعامل بمنطق ما تحتاجه المرحلة، ومصالحهم لم تكن تسمح لهم بذلك. وهنا يمكن القول أن الإدارات الأمريكية السابقة كانت تتلاعب مع العرب وفق المصلحة، كلينتون كان مهندس أوسلو، وبوش الأب قبله كان محاصر العراق، وابنه من دمر العراق، أما أوباما فكان مهندس الفوضى الخلاقة.

 

فكل منهم جاء وفق تحقيق ما تحتاجه المرحلة بما يناسبها، حتى جاء ترمب ليكمل المهمة، حيث وجد المنطقة بها الأرضية المناسبة لإعلان هكذا قرار. فالعراق وسورية واليمن كلها بلدان ممزقة بسبب الصراعات، ومصر تحت رحمة العسكر، وليبيا يسودها الانقسام، أما الخليج يحاصر الشقيق أخاه. إذا ترمب وجد المنطقة مؤهلة لاتخاذ هذا القرار الذي يصب في مصلحة الاحتلال في إطار ما يطلق عليه بصفقة القرن، حيث أصبحت سياسات الدول تقام على منطق الصفقات. كما يصب في مصلحة أمريكا وفق ما أدلى به ترمب في خطابه.

وهذا يؤكد زيف ادعاء الإدارات الأمريكية السابقة النزاهة في المفاوضات، فلم تكن أمريكا نزيهة لنقلها بصراحة و لا نكذب على أنفسنا، وقد كانت منحازة للاحتلال منذ إنشائه 1948، والقول بأن أمريكا كانت وسيطا بين العرب والاحتلال ضحك على الدقون، هل الوسيط يمول أحد المفاوضين ويدعمه بكل أنواع السلاح، ويقف بجانبه في منظمة الأمم المتحدة ويدافع عنه، هل هذه هي الوساطة على من تضحكون، القوي دائما يفرض قوته على الضعيف، وأمريكا تستقوي على العرب باعتبارها قوة عظمى، وكما قال أحد الفلسطينيين إنها تفرض وتملي ما تريد عليهم. فإذا كان ترمب قد قرر، فإن الفلسطينيين قرروا قبله واتخذوا القرار بالدفاع عن مسرى رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن الأمر لا يتعلق بهم وحدهم فماذا قررنا نحن؟

 

الشعوب العربية تقع عليها مسؤولية مساندة إخوانهم الفلسطينيين، ودعمهم خاصة في هذا الظرف بالذات، فمن الواجب خروج مظاهرات مساندة للشعب الفلسطيني في كل بلدان الدول العربية

لقد دعت الجامعة العربية إلى انعقاد جلسة طارئة على مستوى وزراء الخارجية العرب يوم السبت القادم. ونحن نعلم الوضع العربي وواقع حاله، خاصة بمصر التي يتواجد بها مقر الجامعة العربية التي انقلب فيها السيسي على الرئيس الشرعي للبلاد. والمعروف أن السيسي واحد من الذين دعوا إلى حماية جيرانهم والعمل على حماية حدود هم، فماذا سيفعل رئيس يعمل حارسا لحدود المحتل. أضف إلى ذلك تشتت وتفرق العرب في عدة قضايا مصيرية بالنسبة للمنطقة وشعوبها ولم يجدوا لها أي حل فما بالنا بقضية الأقصى. أما اجتماع دول منظمة التعاون الإسلامي تقريبا نفس الأمر إلا أن يحدث الله ما لا نتوقعه.

يبقى الأمر الوحيد الذي يمكن التعويل عليه هو الشعوب العربية فيجب عليها أن تقول كلمتها، كما يجب على مسؤولي الدول ترك المجال للشعوب للتعبير عن حقها في قضية هامة تمس كل مسلم في عقيدته، فإذا قرر ترمب، فنحن إذا يجب أن نقرر، وإلا ستذهب الأمور إلى ما لا يحمد عقباه.

فالشعوب العربية تقع عليها مسؤولية مساندة إخوانهم الفلسطينيين، ودعمهم خاصة في هذا الظرف بالذات، فمن الواجب خروج مظاهرات مساندة للشعب الفلسطيني في كل بلدان الدول العربية ورفض هذا القرار الظالم الذي يمس الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي. من الواجب تكاتف الجهود بين الشعوب العربية وإعادة الاهتمام بقضية فلسطين عموما والأقصى بوجه خاص، كما وجب على الشعوب مساندة الفلسطينيين في مقاومته للاحتلال وذلك وفق ما تكفله القوانين الشرعية والدولية، فأرض فلسطين تحت احتلال غاشم يفرض نظام فصل عنصري تجاه أصحاب الأرض الأصليين. كما وجب على الشعوب العربية إرسال رسائل إلى العالم الحر المساند للقضية الفلسطينية من أجل جلب دعم خارجي للقضية.

لقد تناسى ترمب باتخاذ قراره، أنه يدافع ويساند أهم ديمقراطية في المنطقة كما ادعى، الدولة الديمقراطية التي شنت على غزة ثلاثة حروب جرب فيها الاحتلال كل أنواع الأسلحة المتطورة في أرض غزة، هذه هي الديمقراطية التي يؤيدها ترمب، وقرر إهداءها القدس، فإذا كانت بريطانيا زرعت الاحتلال، فأمريكا تحمي هذا الاحتلال وتقرر لصالحه. فإذا قرر ترمب فنحن يجب أن نقرر !فلسطين عربية إسلامية عاصمتها القدس الشريف.



حول هذه القصة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، وقال في خطاب من البيت الأبيض إنه وجه أوامره للخارجية الأميركية للبدء بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

تقرر عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي صباح الجمعة لمناقشة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وذلك بناء على دعوة قدمتها ثمان من الدول الأعضاء في المجلس.

أعلنت فصائل العمل الوطني والإسلامي بالقدس المحتلة عن إضراب عام الخميس، ودعت رابطة علماء فلسطين الأمة الإسلامية والشعب الفلسطيني لإطلاق انتفاضة شعبية ردا على إعلان ترمب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة