دماءٌ في سبيل الدولة

يتصور كثير من المسؤولين والمحللين والكتاب أنّ الإرهاب ومجازر العنف الجماعي التي يرتكبها ما يُعرف بـ "الدولة الإسلامية" هو إرهاب وعنف مؤسس على الدين أو من أجل الدين. وهم لا يفتأون يذكرون نصوصًا قرآنية وحديثية يستدلّ بها تنظيم الدولة (بناء على تأويلٍ خطأً بطبيعة الحال). وقد أدّى هذا التصور إلى توجيه أصابع الاتهام إلى نصوص القرآن والسنة وإلى دين الإسلام عامّة. وإلى إطلاق اصطلاح "العنف الديني" على الظاهرة.  

 

تصورُ أنّ ما يقوم به "داعش" هو "عنف ديني" أو عنف مدفوع بدوافع نصوص دينية هو تصور خطأ، بل إنّ عنف داعش في حقيقة الأمر هو عنف سياسيٌ يتماثل مع عنف الدولة الحديثة. إنه عنف مرتبطٌ بالدولة، وليس نابعًا من الدين.

 

في الحقيقة، يخبرنا الواقع المعاصر كما يخبرنا التاريخ القريب أنّ "العنف الجماعي" يُرتكب على نطاق واسع في مراحل "تأسيس" الدول، وفي مراحل "إعادة تأسيسها" على السواء. هذا العنف الشديد يُمارس على مدنيين لأجل قهر وإخضاع المحكومين عمومًا، والمجموعات ذات الثقل السياسي على وجه الخصوص.

 

عندما تأسّست "جمهورية تركيا" القومية الحديثة، فإنّها تأسست على العديد من المجازر الجماعية تجاه الأرمن والسريان، والذي تعاظم في حادثة الإبادة الأرمينية عام 1915

وبالتالي، فما نشهده من مجازر عنف جماعي في واقعنا، ما هي إلاّ مجازر إمّا لتأسيس دولة لم تكن موجودة من قبل كما في حالة الدولة الإسلامية (داعش)، أو لأجل مدّ هيمنة وتوسع دولة كما في حالة الجمهورية الإسلامية في إيران، التي ترتكب مجازر وعنف جماعي في سوريا واليمن لتأسيس هيمنتها في هذه البلدان من خلال جماعات وظيفية حاكمة (حزب الله في لبنان، العلويون في سوريا، والحوثيون الزيدية في اليمن). وإمّا لإعادة تأسيس دولة، كما في مصر وليبيا والبحرين.

 

حين تأسّست مصر الحديثة في بداية القرن التاسع عشر، فإنّها لم تتأسس سوى على أشلاء المماليك، حكّامها السابقين، الذين أحدث فيها محمد علي باشا مذبحة كبيرة في عام 1811. وبالمثل، فقد شهد القرن العشرين ولادة العديد من الدول القومية في آسيا وأفريقيا، وكانت هذه الولادة ولادةً عسيرة صاحبها نزيف دماء غزير في أحيانٍ كثيرة.  

 

عندما تأسّست "جمهورية تركيا" القومية الحديثة، فإنّها تأسست على العديد من المجازر الجماعية تجاه الأرمن والسريان، والذي تعاظم في حادثة الإبادة الأرمينية عام 1915. بل وحين جرى تبادل سكاني بين أتراك اليونان ويونان تركيا لإحداث تجانس سكاني في الدولتين الناشئتين، لم تخلُ الصفقة من دماء.  

 

وحين قامت دولة إسرائيل المزعومة عام 1945 والتي لا نعترف بشرعية وجودها في بلادنا العربية إلى اليوم، فإنّها تأسست على المجازر الجماعية بحق الفلسطينيين وطردهم من أراضيهم للاستيلاء عليها، وإقامة الكيان الصهيوني الغاصب.  وفي ذات الوقت الذي شهدت فيه منطقتنا العربية هذه المجازر، كانت هناك حرب أخرى ومجازر أخرى تحدث بين الهند وباكستان التي تأسست بعد هذه الحروب عام 1947.

 

فإذا انتقلنا إلى تسعينيات القرن العشرين، فستصادفنا الحرب اليوغوسلافية التي أودت بحياة الآلاف من المدنيين وغير المقاتلين في مجازر أدّت في النهاية لتقسيم يوغوسلافية وتأسيس دول صغيرة. من هذه المجازر كما هو معروف "مجزرة سريبرينيتسا."

 

"الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) أو "الدولة الإسلامية" ليست استثناء، وعنفها ليس استثناءً، بل هو مشمول في العنف الشديد لميلاد الدول القومية، وإن كانت داعش ليست قومية، أو لنقل إنها أعادت تعريف القومية، واعتبرت القومية التي تتأسس عليها هي "قومية دينية": تشمل المسلمين، وأتباع الديانتين المسيحية أو اليهودية بشرطية الولاء وعقود الذمّة.  

 

في الحقيقة، فإنّ عنف داعش مدين للدولة القومية الحديثة، ولعنف تأسيسها ودمويته. إنّها تسعى لاكتساح الأراضي ومدّ سلطانها عليها، ولاكتساب الموالين، والإرهاب الشديد والاستباقي للمتحالفين مع "الدولة الحديثة" التي لا تعترف بها، لأنّ الأخيرة تقوم على غير مفهوم القومية الدينية.

 

السعودية لم تصمت إزاء الهيمنة الإيرانية في سوريا واليمن، وخاضت ضدّ جماعاتها حروبًا كذلك، بل خاضت حرًبا معترفًا بها من خلال تحالف عربي ودولي باليمن لحفظ سيادتها من التغول الإيراني
 

أمّا "الجمهورية الإسلامية في إيران" فإنّها تمدّ هيمنتها لتحكم خارج حدودها عبر حروب تخوضها بوكالة جماعاتها الموالية في سوريا واليمن كما سبق أن ذكرنا أعلاه. وفي هذه الحروب غير المشروعة، ارتكبت إيران العنف الجماعي الذي طال المدنيين قبل العسكريين، لتأسيس هيمنتها الجديدة على أشلاء هذه الدول بالعنف الشديد.  

 

السعودية لم تصمت إزاء الهيمنة الإيرانية في سوريا واليمن، وخاضت ضدّ جماعاتها حروبًا كذلك، بل خاضت حرًبا معترفًا بها من خلال تحالف عربي ودولي في اليمن. تخوض السعودية الحرب لنفس السبب السياسي كذلك، لحفظ سيادتها، وتأمين جوارها من التغول الإيراني.

 

كذلك فإعادة تأسيس الدول الحديثة عبر أنظمة متعاقبة، يُرتَكب فيه عنف جماعي شديد كذلك. وغالبًا يكون هذا العنف الجماعي مسلطًا على المجموعات التي يُخشى من نشاطها السياسي ويُخشى من قوتها الممكنة للحكم مستقبلاً. حدث هذا في مجزرة حماة عام 1982 في سوريا الأسد، وفي "حملة الأنفال" عام 1988 في عراق صدّام، وفي مجزرة أبو سليم في عام 1996 في ليبيا القذافي، وأخيرًا شهدنا في مصر إعادة تأسيس الدولة المصرية على مذابح رابعة وأخواتها عام 2013 التي هدفت للقضاء على الجماعة المدنية التي فازت بالحكم سلميًا عام 2012 وعلى أنصارها، ولتبدأ الدولة المصرية عهدًا جديدًا من الحكم مؤسسٌ على العنف الجماعي وعلى القوة الغاشمة التي تبطش بمن تسوّل له نفسه مساءلة النظام الجديد. أخيرًا، فكما رأينا فإن داعش مدينةٌ في عنفها للدولة وليس للدين، وعلى الأخص للدولة القومية الحديثة التي قامت على المجازر الجماعية والعنف الشديد. 



حول هذه القصة

بميناء صغير في “العطايا” بأرخبيل قرقنة جنوب شرقي تونس، يرسو قارب عبد الله المتهالك بعد ليلة قضاها بأعماق البحر، لكن شباكه لم تظفر بغير عقارب مفترسة يطلق عليها “داعش البحر”.

تنظيم “داعش” على وشك الانهيار في الجبهات العسكرية، ومن المحتمل أن تستمر خلاياه السرية والنائمة في النشاطات التفجيرية والاغتيالات، لكنه لن يعود قادرا على احتلال مساحات وفتح جبهات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة