دفاعاً عن الجنون..

عَنْوَنَ الْعدوانُ ممدوحُ مُقدّماتِهِ لِكتبٍ طُلِبَ مِنْهُ تَقديمُها بهذا الْعنوان "دفاعاً عن الْجنون"؛ إذْ نصّبَ نَفْسَهُ محامياً يُرافِعُ عَنْ الْجنون ويشير إلى أنّ الْجنونَ الذي يَفرّ منه النّاسُ إنّما هو المطلبُ الطّبيعيُّ الذي يجبُ أن يكونَ مَوْجوداً عِندما لا يكونُ الْواقِعُ طَبيعيّاً فَهو يَصْرُخُ: "نَحْنُ أُمةٌ خاليةٌ مِنَ الْمجانيين الْحقيقيين، وهذا مِنْ أكبرِ عيوبنا، كلٌّ مِنّا يُريد أن يَظْهَرُ قويّاً وعاقِلاً وحَكيماً ومُتفهِّماً. يَدْخُلُ الْجميعُ حالةً مِن الافتعالِ والْبلادةِ وانعدامِ الْحِسِّ تَحْتَ تلكَ الأقْنعةِ فَيتَحوّلُ الْجميعُ إلى نُسَخٍ مُتَشابِهَةٍ مَكررةٍ… ومُمِلَةٍ".

 

بالضبطِ… عِنْدما جاء الأنبياءُ كُلُّهم بِرسائِلِهم السّماويةِ الْمُصْلِحَةِ لِحالةِ الْبَشَريّةِ كانتْ تَهمَتُهم من قِبَلِ النّخب في وَقتهم أنّهم مَجانيينُ؛ وبالفعلِ عِنْدَما تَثورُ على السّائدِ الْبائدِ فإنّك في نَظَرِ الْمُتْرَفينَ فِكريّاً مَجنونٌ أنت إذ تُحاوِلُ أن تُزْعِجَهُم بَلْ وبالعبارةِ القرآنية "حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ" والتّحريضُ هنا قَدْ يَأخُذُ أشْكالاً مُختلفةً كالتّحريض على التّفكيرِ بالْواقِعِ ومآلاتِهِ، والتّفكيرُ في هذه الْحيونةِ التي تَهوي الْبشريةُ في دَرَكاتِها زاعمةً أنّ هذا هو الانسجامُ الْمطلوب.

 

ولكنّ الرّائدَ الذي لا يَكْذِبُ أهْلَهُ هو الذي ينتفضُ ولو كانَ عارياً كما فَعَلَ أرخميدس ذاتَ لحظةِ اكتشافٍ لِيُعْلِنَ أنّهُ وَجدها… وَجدها… أو يَهبُّ مِنْ رَمادِهِ كما فعلت عَنْقاءُ أبي الْعلاءِ مُعلنةً أنّ الْمُزاحمةَ لا تَكونُ إلا بالْعنادِ الْمُدرِكِ للمآلاتِ…  

 

وهذا الْجنونُ يصبح ذا قيمةٍ فِعليةٍ بَلْ ويكونُ هو عَيْنُ الْعقلِ عِنْدَما يَصبرُ صاحِبُهُ على فِكْرَتِهِ بل ويجاهرُ بِوضوحٍ لا جَمجَمَةَ فيهِ أنْ "لو وَضَعوا الشّمسَ في يَميني والْقَمَرَ في يَساري…"  هنا تَلمح عِناداً مَحْموداً، بَلْ وتقرأ سُطورَ الْمجدِ مِنْ تاريخِنا وهي تَقولُ: "نَحْتاجُ للجنونِ لِكشْفِ زَيْفِ التّعقّلِ والجبنِ واللامبالاةِ "… فَتكونُ النّتيجةُ "إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ"…

 

الْجنون عند المُعتصم عندما غزا الرّومُ ومجموعةٌ مِنَ الْمُرْجفينَ في حَضْرَةِ الْمُعتصم يقولون له: إيّاكَ أن تغزو الرّومَ في هذه الشّهور، فهي شُهورُ شُؤمٍ عَليك، ويَعصيهم ويُسطّر الْحبيب بن أوس الطّائي رائعتَهُ التي يقولُ فيها:

والعِلْمُ في شُهُبِ الأَرْمَاحِ لاَمِعَةً

بَيْنَ الخَمِيسَيْنِ لا في السَّبْعَةِ الشُّهُبِ

أَيْنَ الروايَة بَلْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا

صَاغُوه مِنْ زُخْرُفٍ فيها ومنْ كَذِبِ

سبعون ألفا كآساد الشّرى نضجت

جلودهمْ قبل نُضج التين والعنب

 

الْجنونُ في الْحبّ الذي جَعَلَ الْعُقلاءَ يُوصَفونَ بالْجنونِ لِشدّةِ مَحبّتهِم التي خرجت بهم عن أعراف السّائد، فمشغوفُ ليلى يَبكي فَيُبْكّي جبلَ التّوباد لبكائه، وحبيبُ عزّة يخبرها أنّ النساءَ لو كانوا ببلدةٍ وهي بأخرى لمضى نحوها لا يلوي على أحدٍ، وذي الرّمة يرى أن الدّرب يقصر وهو يسعى إلى مَيٍّ… وذاتُه جنون ذاك الأعرابي الّذي هام فؤادُه بالإجابة عندما سأله أحدُهم عن مدى حبّه لحبيبته فقال: والله إنّي لأرى الشّمس تشرقُ على حيطانِها أجمل منها على حيطان الآخرين.

 

الْجنونُ في الالتزام الأخلاقي الذي حمل سقراط ذات زمانٍ أن ينأى عن الهُروبِ، ويتجرّعُ السُّمَّ فيسري في أعضائه لكي يبقى الالتزام الأخلاقي يسري في المجتمع.. الْجنون أن يصرخ نصر بن سيّار ذات زمان بعيد بقومه:

أرى تحت الرّماد وميضَ نارٍ *** ويوشك أن يكون لـه ضـرامُ
فإنّ النّار بالعـودين تُذكـى *** وإنّ الحربَ مبـدؤها كــلامُ
فإنْ لم يُطفِئُها عقلاء قوم *** يكون وقودها جثث وهامُ
فإن يقظت فذاك بقـاء ملـك *** وإن رقـدت فـإني لا ألام
فإنْ يك أصبحوا وثووا نيامـا *** فقل قوموا فقـد حـان القيـامُ

الْحجارةُ التي تُلقى في المياه الرّاكدةِ هي التّساؤلاتُ التي تُوضَعُ في مواجهةِ السّائدِ في المجتمعاتِ
 

الحاجةُ إلى الْجنون هي الحاجةُ لأنْ تقولَ للمجتمع وهو يركنُ إلى أعرافِه في جعلِ الوصايةِ للجنس لا للعقل.. أن يظنّ أن تزويجَه لابنته فورَ بلوغِها هو إحصانٌ لأخلاقِها… الحاجةُ إلى الْجنونِ هي الحاجةُ لأن تقولَ للمجتمع إنّ العلاقة مع الله إنّما هي علاقة شخصيّةٌ للإنسان، فلا يحكم عليه بجنّة ولا بنار، لأنّ كشوفَ هذين الموضعين إنّما هما بيد الله… الحاجةُ إلى الْجنونِ هو أن تقولَ لمشايخِ الدّين إنما واجِبُكم أن تَرصفوا الطّريق إلى الله بالحب لا بالمصادرة..

 

مِلاك القول… الْحجارةُ التي تُلقى في المياه الرّاكدةِ هي التّساؤلاتُ التي تُوضَعُ في مواجهةِ السّائدِ في المجتمعاتِ ولعلّ قائلاً: يا خليل إنّ الْحجارةَ إن أُلقيت في المياه الراكدة سوف تطرطش علينا المياه أو تزيد عكورتَه تلك الحصاةُ التي أُلْقِيت فما قولك؟؟

 

الأمرُ ببساطة بدأ مع الحبيب محمّد عليه السلام عندما ألقى أول حَجَرٍ في مياهِ الْمجتمعِ فكانَ الرّدُ "تباً لك… "لم يكن الجوابُ أنّ الأمرَ ازدادَ عُكورةً، بَل ولم تكن النتيجةُ أن يأَنَفَ من تلك المياه التي نالتْ منه عليه السّلام، بل كان يعلمُ أنّ مِنَ الجمعِ الْمتواجدينَ في تِلك اللحظةِ مَن استيقظَ السّؤالُ في عقولِهم، بل واشتعلَ الاستفهامُ في قلوبِهم، وتحرّكَ راكِدُ الْمعرفةِ الْمتوارثةِ في عُقولِهم عندما طَرَحَ عليهم مقدماتٍ اتّفقوا عليها، وعندما شَقّ عَليهم عصا ركونهم لسائِدهم انتفضَ بعضُهم بتعنيفهِ ، ولكنَّ التّناقضَ في نفوسهم وهو المدروس منه عليه السّلام هو الذي جَعَلَ النّبوةَ تَشقُّ طريقَها بهذه الصّورةِ في الْبداية لأنّ الله قال له: "فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ".

 

والصّدعُ ليس رفعَ الصّوتِ بل هو الشّق في الْجدار المتماسك فأنتَ يا محمدُ -عليكَ السّلام- مطلوبٌ منكَ أن تشقّ تَماسَكهم الْوهمي من خِلال أن تَجعلهم يقعونَ في تناقضٍ ظاهرٍ، وقد حَصَلَ، والقرآنُ ذاتُه يخبرُ محمداً -عليه السّلام- أنّ قِيامَكَ بهذا الْفعل -أي التّصديع- سَوفَ يَجْعَلُ رِبْقةً مِنْ بَعْضِ الحاضرينَ يَتّهمونَكَ بِطَلَبِ الشّهرةِ؟؟ أو بإحداثِ الْجدلِ من أجلِ الْجدلِ؟؟ أو بالسّحر؟؟ أو بالْجنونِ؟؟ وإجابتكَ عَليهم ببساطةٍ "وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ".

 

ويبقى الطّغرائي في لاميته الشّهيرة حاضِراً إذ يُحذّرُ..

قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ … فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ



حول هذه القصة

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين بلاده والجزائر التي زارها أمس معلنا استعداده لتسليم جماجم مقاومين جزائريين موجودة بمتحف بباريس، وتطالب الجزائر باسترجاعها.

تجمع عشرات الصحفيين المصريين في مقر نقابتهم وسط القاهرة مساء أمس احتجاجا على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب نقل السفارة الأميركية للقدس، وأحرقوا العلم الإسرائيلي وصور ترمب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة