خطاب السعادة المُعولَم

اتسعت قدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم بوسائط شتى، ومعها يُظهِرون اقتدارهم على السعادة المنشودة أو الحظوة بمقوِّماتها؛ التي يقع تجسيدها بصرياً من خلال إشارات وإيحاءات رمزية أو مظاهر وتعبيرات ماديّة.

 

قد ينطوي التعبير عن السعادة على فعل استرجاعي لمُدرَكات تراكمت في الوعي الجمعي للمجتمعات، بتأثير حشو الأذهان والوجدان المتواصل، الذي تباشره ثقافة الاستهلاك والترويج وفنون الهيمنة على الوعي عندما تتولى تقديم مفاهيم مرئية يُزعَم ضمناً أنها معبرة عن السعادة. ستستقر الرسالة في الوعي بأنّ اقتناء منتج معيّن أو علامة مخصوصة هو برهان على حصول السعادة أو أنه من مؤشرات تحققها، وهكذا يُتوقّع من الأفراد أن يعبِّروا بذلك أو من خلاله عن سعادتهم، أو أن يلجؤوا إليه كناية عن سعادة قد تكون مفقودة في الأساس، فيجري الاستعاضة عن واقع منشود برمز يوحي به. وفي هذا ما يفسر جزئياً شيوع العلامات التجارية المقلدة التي يتسابق إليها بؤساء الأرض لمجاراة المحظيين في عالمهم؛ طمعاً في أن يكونوا أمثالهم.

 

 تتعالى في عالمنا نزعة "طفولة الراشدين" المُفعَمة بروح التصابي. وتتجلى في إبراز مقتنيات ومعلقات أو الظهور بملابس ورموز أو استعمال تعبيرات وحركات كانت جميعها محسوبة على مرحلة الطفولة
 

وإذ يتفاوت مفهوم السعادة لدى المجتمعات والأفراد؛ فإنّ حصره في نطاقه الأرضي سيدفع بتعبيرات وإيحاءات ورمزيات أرضية وحسية وآنية عنه، بما في ذلك مظاهر التشبث بالحياة الدنيا ونُشدان الشباب الدائم أو الميْل إلى التصابي. تتعزّز هذه الأخيرة في مجتمعات تشيخ ويتقدم الوسط العمري فيها باضطراد فيبحث "كبار السن" عن أدوارهم ومواقعهم في الوسط المجتمعي، بما يزيد من إقبال الشرائح العمرية المتعددة على مباهج الحياة وزينتها، ويُنعِش تعبيرها عن الحيوية والسعادة وإن بصور زائفة.

 

ليس من فراغ، إذن، أن تتعالى في عالمنا نزعة "طفولة الراشدين" أو KIDULTS المُفعَمة بروح التصابي. تتجلى هذه، مثلاً، في إبراز مقتنيات ومعلقات أو الظهور بملابس ورموز أو استعمال تعبيرات وحركات كانت جميعها محسوبة على مرحلة الطفولة. وقد تطوّرت رسوم متحركة مخصصة للراشدين، كما برزت ابتداءً مع مسلسل "أسرة سبمسون" الرسومي المتحرك. ويتكرس المنحى مع استعمال الراشدين الرسوم التعبيرية النمطية الطريفة "إيموجيز" في تواصلهم عبر الأجهزة والشبكات، بما ساهم في تطبيع الحس العام مع هذه الروح المرحة، علاوة على تناقل المقاطع والصور الطريفة عبر الوسائط ذاتها.

 

وقد تفاعلت الحالة من خلال الاحتفاء بسلوكيات ظريفة إلى حد البلاهة المفتعلة أحياناً، واعتبارها كناية عن الطرافة و"برودة المزاج" التي تشير إليها لفظة Cool بحمولتها الثقافية الأمريكية. ولهذه الحالة ألوانٌ ومشارب تتفاعل سريعاً في زمن الظواهر الجماهيرية المتحركة، مثل ما يأتي من حركات وإيماءات وتلاعبات في التقاطات الصور الذاتية. وتنتزع الحالة اعترافاً بها أو تقع تغذيتها في الشاشات، حتى تكيّفت معها البرامج والتغطيات الإعلامية والصحفية التي تتوسع في المواد اللطيفة والظريفة التي تزاحم غيرها حتى في النشرات الإخبارية الجادة؛ عبر ما تعرف بالأخبار اللطيفة أو Soft News مثلاً. ولهذا التطوّر صلة باتساع مفهوم الترفيه في مجتمعات الحاضر وتطوّره وتضخّم مجالاته وتعبيراته، وبنُشدان الفرار من الواقع المعيش وضغوط الحياة اليومية، وتفريغ الكبت الفردي والجمعي من خلاله.

 

ثمة أغنية جماهيرية بلغت الآفاق اختزلت هذا المنحى عندما بزغت تحت عنوان "لأني سعيد!" أو Because I’m happy وهي للمغني الأمريكي فاريل ويليامز. شاعت الأغنية في هيئة صيحة جارفة عبر العالم سنة 2014 حتى تنافست شعوب ومجتمعات وطوائف في تقمّصها وأداء مشاهد ميدانية وفق أصلها الإنجليزي للتعبير عن السعادة إياها. يستجمع هذا المثال مزيجاً من التعبير عن البهجة والاحتفاء بالبلاهة والتقمص المسلكي المُعَوْلم.

 

يأتي خطاب السعادة المعولم قاصراً وعاجزاً ومضللاً أحياناً، إذ يحتفي باللحظة ويعمي الأبصار عن عواقبها، وهو يحجب الروح والمعنى لصالح المرئي والحسي

وإذ تتراكم مظاهر الاحتفاء بالسعادة والبهجة والتعبير عنها عبر إفصاحات جماهيرية جارفة؛ يبدو واضحاً أنّ السعادة ذاتها في هذا التناول يقع تقزيمها وتنميطها ضمن مفاهيم أرضية واستهلاكية وفي نطاقات تدور حول الفرد أساساً مع تجريدها من القيم التراحمية غالباً. وإن كان بلوغ السعادة غاية متأصلة في الإنسان فإنّ الوصول إلى مراتبها التي يحتفي بها الخطاب المُعولَم قد لا يحقق وعوده في نهاية المطاف، بما يضع الإنسان نفسه على شفير هاوية أو إزاء اختيارات متطرفة في السلوك أو الاعتقاد، حتى قرر بعضهم الارتماء في أحضان الهاوية إياها بعد أن أدركوا عبثية المسار الذي وقع التغني به دون أن يُتاح لهم الالتفات إلى مسارات بديلة محتملة بوسعهم العودة إليها.

 

ماتت المغنية اللندنية الشابة أمي واينهاوس سنة 2011 وصُدِم جمهورها العريض بالواقعة، التي تزامنت مع ذورة صعودها. كانت في أواسط العشرينيات من عمرها، عندما ارتقت القمة التي اقترن اعتلاؤها في خطاب السعادة المُعولَم بمقومات الارتياح والبهجة. حققت ابنة السابعة والعشرين كل ما يمكن لبنات جيلها أن تحلم به من مجد فني وحظوة جماهيرية وثراء واسع، ثم لم تجده شيئاً، فهوى نجمها بالإفراط في تعاطي الخمور والمخدرات التي تتيح الفرار من الواقع الذي بلغته، حتى فتك بها ذلك تاركة الدنيا بما فيها.

 

لكنها تبقى قصة نمطية متكررة لنجوم هوت ولا يمكن إعفاء خطاب السعادة المُعولَم من قسط من المسؤولية عن نهايتها المأساوية. فخطاب السعادة هذا يأتي قاصراً وعاجزاً ومضللاً أحياناً، إذ يحتفي باللحظة ويعمي الأبصار عن عواقبها، وهو يحجب الروح والمعنى لصالح المرئي والحسي، ثم إنه يبقى خطاباً متواطئاً مع منظومات استهلاكية تُذكيه وتدفع معه صوب أنماط محددة من العيش دون سواها، ضمن طقوس تداعب الأذهان على أمل بلوغ السراب.



حول هذه القصة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، وقال في خطاب من البيت الأبيض إنه وجه أوامره للخارجية الأميركية للبدء بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

تقرر عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي صباح الجمعة لمناقشة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وذلك بناء على دعوة قدمتها ثمان من الدول الأعضاء في المجلس.

أعلنت فصائل العمل الوطني والإسلامي بالقدس المحتلة عن إضراب عام الخميس، ودعت رابطة علماء فلسطين الأمة الإسلامية والشعب الفلسطيني لإطلاق انتفاضة شعبية ردا على إعلان ترمب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة