أحبّوا أعداءكم

من التعاليم التي وردت عن لسان السيد المسيح عليه السلام، والتي تناقلتها الألسن عبر العصور، العبارة الشائعة: أحبوا أعداءكم. وقد قالها عليه السلام في موعظته الشهيرة على الجبل، والتي ضمّنها خلاصة تعاليمه، بأسلوبٍ يمتاز بجماله المبهر وعمقه، على ما يبدو عليه من البساطة. أسلوب فيه من الإعجاز ما يفوق معجزات إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. ولطالما كان هذا القانون الأخلاقي النصراني مثارًا للجدل لعدة أسباب: منها لرفضه رفضًا قاطعًا من حيث المبدأ من قِبَل الكثير من المفكّرين والفلاسفة والمنظّرين، ومنها لتقبّله من حيث المبدأ، في حين أن الممارسة على النقيض التام مما تدعو إليه هذه الفكرة السامية.

 

ولسنا بحاجة لاستحضار المجازر التي ارتكبها أتباع المسيح عبر العصور لنلمس الانتهاك الصارخ لهذا الدستور الأخلاقي النبيل. لسنا بحاجة لتذكر شناعات كقيام الصليبيين بشواء لحم الأطفال في معرة النعمان، ولا الإبادات العرقية في الأمريكيتين، ولا استعباد إفريقيا، ولا ويلات الحربين العالميتين. كل هذه حقائق معلومة وموثّقة تشهد بانتهاك النصرانيين لتعاليم روح الله ابن مريم. وأتباعه اليوم، المهيمنون على المعمورة، لا يتورّعون عن إشباع تعاليمه انتهاكًا وعن إثخان منظومته الأخلاقية هتكًا.

 

وهنا يتبادر سؤال للذهن: طالما أن تعاليم المسيح عليه السلام منتشرة ومعروفة لدى العام والخاص، فلماذا يتم انتهاكها بهذا الشكل الصارخ؟ ألأنها من المثالية بمكان، بحيث لا تصلح لكي تطبَّق على أرض الواقع؟ أم لأنها دعوة قد أكل عليها الزمن وشرب، ولم تعد تصلح لما بعدها من أزمنة؟

 

دعا إمام الزهاد والسائحين إلى المحبة لأنه علم تمام العلم أن الأحقاد والضغائن -والكراهية بكل وجوهها لا يدفع ثمنها- إلا المعذبون في الأرض، ولا يجني ثمرتها إلا الجبارون والمترفون والمستكبرون

في الواقع، إن الناصري عندما سنّ شريعته الأخلاقية، بوحيٍ إلهي، اعترف بوجود الأعداء، وأشار إلى الحقيقة التي لا مناص منها: العداوات موجودة ما وُجِدَ الإنسان. لكن المقاربة السطحية لدعوته هي التي تؤدّي إلى سوء الفهم والعَنَت، وبالتالي إلى هجر جوهر رسالته جملةً وتفصيلًا. فعندما أطلق ابن مريم مقولته الشهيرة لم يكن من الغباء بمكان، وحاشاه من ذلك، بحيث يدعو الناس بأن يتشوّقوا للقاء أعدائهم وبأن يعاملوهم بالترحاب والتهليل والبشاشة وإظهار المودة كما لو أنهم أصدقاء خُلّص.

 

إن دعوته لمحبة العدو هي في صميمها دعوة لإعمال المروءة والشهامة في التعامل مع الخصوم. بمعنى آخر، كن رحيمًا رفيقًا إنسانيًا حتى مع عدوك. كن مقاتلًا نبيلًا. تجمّل بأخلاق الفروسية والشهامة مع منافسيك ومناوئيك. وهذه هي المحبة بأبهى تجلياتها: ألا تمنعك الخصومة اللدودة من العدل والإحسان والرحمة.

 

ولم تنشأ دعوة ابن الإنسان إلى المحبة من فراغ. فهي طبعا كانت من العلوم اللدنية التي يختص الله بها صفوة عباده، ولكن تكمن خلفها حكمة عملية بالغة تصبح ناصعة الوضوح عندما نتذكر يسوع كنصير أصيل للمستضعفين والمهمشين والمسحوقين. دعا إمام الزهاد والسائحين إلى المحبة لأنه علم تمام العلم أن الأحقاد والضغائن -والكراهية بكل وجوهها لا يدفع ثمنها- إلا المعذبون في الأرض، ولا يجني ثمرتها إلا الجبارون والمترفون والمستكبرون. فالحروب -وهي أفجع ثمرات الكراهية – يموت فيها الفقير على الجبهة قتيلا وفي المدينة من الجوع والمرض والنزوح. والصراعات المالية بين كبار الرأسماليين تدفع ثمنها الطبقات المسحوقة غلاء في المعيشة وشظفا في العيش. 

 

وفي القرآن الكريم آية تشير إلى هذا المعنى: "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ". أي لا تمنعنّكم مشاعر البغضاء والضغينة من أن تمارسوا العدل، مارسوا العدل حتى مع أولئك الذين تكنّون لهم، أو يكنّون لكم، مشاعر البغض والنفور. في هذه الآية الكريمة تأكيد وتصديق لمبدأ: أحبوا أعداءكم. 

 

ولكي نكون عادلين، فلا بدّ أن نشير إلى أن المسلمين بعيدون أيضًا عن هذا الدستور الأخلاقي النبيل. فممارسات الدُوَل والأفراد في هذا العصر، وفي غابر العصور، قد أظهرت مجافاة المسلمين لهذا المبدأ السامي، سواء في نزاعاتهم فيما بينهم أو في نزاعاتهم مع غيرهم من الملل. يكفي أن نذكر أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين قد قضوا استشهادًا وكذلك سبط النبي عليه الصلاة والسلام. ولا ننسى المجازر التي ارتكبها الأتراك بحق الأرمن في العصر الحديث. ويبقى الرجاء بأن يستفيق الإنسان، مسلمًا ومسيحيًا ويهوديًا وحتى ملحدًا، ويعود إلى تعاليم المحبة والرحمة والشهامة. لا خلاص للبشرية إلا بهذه العودة. ولكن، من ذا الذي يسمع، ومن ذا الذي يقرأ؟



حول هذه القصة

يجتمع اليوم بالكويت وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لأول مرة منذ اندلاع الأزمة الخليجية لإقرار جدول أعمال القمة الخليجية التي تنطلق غدا، وأكدت قطر مشاركة أميرها الشيخ تميم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة