من تجميل المدن إلى خلق أنساق للحياة

Blogs- city

يستوقفني دائما عندما تعلن البلديات ومجالس المدن والمحليات عن خطتها لتجميل المدن في المحيط العربي، واجدها دائما تتمحور حول الإضافات التجميلية التي بالقطع تهذب الحالة الرمادية السائدة في عمراننا العربي بسبب كثافة البناء الخرساني المتراكم بقسوة. ولكن هذه الإضافات لا تحول المدينة إلى سياق جمالي حياتي تفاعلي يبعث رسائل الجمال والرقي والذوق الرفيع لكل سكان المدينة وزوارها.

 

ويرجع هذا الإخفاق إلى أن مفهوم تنسيق المواقع وتخضير وتجميل المدن City Landscape، لم يعد قاصرا على إضافة بعض اللمسات التجميلية التي تضيف الى القيمة البصرية للمدينة. فقد أصبح تجميل المدن والشوارع يتجاوز مفهوم زرع الأشجار وإنارة الشوارع وأعمال النظافة والصيانة، وأصبح الطابع الجمالي الشمولي المنعكس في تصميمات الشوارع والميادين وتنسيق المواقع وواجهات وألوان المباني وعلاقته بحياة السكان والزوار وأنشطتهم ضرورة جوهرية في تخطيط المدن.

 

فقد شهدت المدن المعاصرة في العقد الأخير، وخاصة مع تبلور مفاهيم الاستدامة والمدن الخضراء، توجها نحو إعادة صياغة مفهوم تنسيق المواقع وتجميل المدن. كان المفهوم القديم يعتمد على استخدام الأشجار والنباتات بأنواعها المختلفة وتشكيلاتها المتعددة Soft Landscape وكذلك العناصر المائية في إضفاء ملامح جمالية للمدينة المعاصرة. وكذلك كان تطوير وتجميل المدن، يهدف إلى تحسين مظهر الميادين والشوارع الرئيسية ومراعاة جماليات النصب التذكارية وأعمدة الإنارة والمقاعد واللوحات الإرشادية ولوحات الإعلانات المسموح بها في إطار الصورة البصرية المدروسة، بالإضافة إلى معالجة بعض المباني بصرياً مع مراعاة الأصول المعمارية والفنية.

         

تحولات في مفاهيم تجميل المدن
ولكن التحول الذي حدث في العشر سنوات الأخيرة، ونتيجة لبزوغ مفاهيم إنسانية المدينة، يبلور أنن الأبعاد الجمالية الحقيقية في المدينة هي التي تؤدي إلى تحسين نوعية الحياة بها Quality of Life. هذه الأبعاد التي تجعل المدينة مشجعة على الحياة والسكن والعمل والإنتاج، بل والإبداع والابتكار. كما أن هذه الأبعاد تقدم سياقا يحفز ثقافة التخيل والإلهام وتساعد الفئات المجتمعية المختلفة في تحفيز فكرهم الإبداعي وقدراتهم التجديدية.

 

تجميل المدينة وحيويتها أصبح مسئولية جماعية من سكان ينتمون إلى مدينتهم ويفخرون بها
تجميل المدينة وحيويتها أصبح مسئولية جماعية من سكان ينتمون إلى مدينتهم ويفخرون بها
 

لقد تحولت المدينة، في منظور تجميلها، من نطاق لزرع الأشجار بغرض مجرد التجميل إلى مجموعات من الفراغات الإنسانية الخضراء المفعمة بالحياة التي تساعد طبقات وقطاعات مختلفة من مجتمع المدينة على التواصل والتفاعل ونقل الخبرات والتجارب الإنسانية. لقد أصبحت شوارع المدينة، على سبيل المثال، جميلة ليس فقط لأنها مظللة بالأشجار ومزينة بالورود ولكن لأنها تحولت إلى شرايين لحركة المشاة وملتقى للمجتمع ومسطحات لامتدادات المطاعم الصغيرة والمقاهي التي تحقق لأفراد المجتمع فرصة التمتع بمدينتهم وأن يروا من حولهم وأن يراهم الآخرون The Beauty of to see and to be seen.

 

كما أنها أصبحت ساحات لعرض فنون وإبداعات النحاتين والتشكيليين. ونطاقات للجلوس الفردي والجماعي في بيئة صحية أمنة. كما تحولت فضاءات المدينة الجميلة إلى ساحات لاستقبال العروض الموسيقية والاحتفالات الموسمية. حتى العناصر المائية Water Elements وخاصة النافورات والبحيرات لم تعد عناصر مائية جمالية استاتيكية، وإنما مجالات لتفاعل أفراد المجتمع، وخاصة الأطفال الذين يتفاعلون ويلعبون حول نافورات المدينة ومسطحاتها المائية. هذه العروض المائية التي تتوافق مع عروض موسيقية أو ضوئية أو كلاهما وتخلق طابعا مميزا يستقطب السكان والسائحين كما هو الحال في مدينة دبي التي انشأت نافورة شديدة التميز حول برج خليفة أطول مبنى في العالم، وهذه النافورة بعروضها المائية الضوئية الموسيقية المثيرة تستقطب عشرات الألوف كل يوم من سكان دبي وزوارها.
 
من جهة أخرى فقد شهد الجانب الآخر أو المقوم المكمل من عملية تنسيق المواقع والمعروف بالتنسيق الصلب Hard Landscape العديد من التحولات الهامة في أساليبه وأهدافه. فقد تحولت كل العناصر الموجودة في شوارع وفراغات وميادين المدينة إلى عناصر وقيم تلعب أدوارا هامة في تشكيل اللوحة الجمالية الحياتية النهائية للمدينة. لقد انتشرت بشوارع المدن أعمدة الاضاءة المباشرة والغير مباشرة والملونة أحيانا لإضفاء طابع جمالي وتشكيلي على روح المدينة في المساء والليل.

 

كما تنوعت تصميمات المقاعد الثابتة المشجعة على التواصل والتجمع واستخدام شوارع المدينة وفراغاتها المفتوحة. وانتشرت اللافتات واللوحات الإرشادية وخرائط المدينة، وكذلك تنسيق الأرضيات وممرات الحركة واستخدام المواد ذات الملامس والقيم اللونية المختلفة. كما أصبح للفن مكانة هامة في تجميل المدينة ورفع وعي سكانها الجمالي وحسهم الفني فانتشرت فكرة الفن العام Public Art وخاصة الأعمال النحتية كبيرة المقياس التي تتداخل مع باقي مكونات الفراغ العمراني من أشجار واضاءة ومقاعد وتركيبة لونية.
 

المدينة الجميلة هي التي تخاطب الإنسان وتقدم له تجربة حياة جميلة وممتعة ومثيرة ومحفزة ترسخ في ذكرياته وتخاطب عقله ومشاعره وحواسه
المدينة الجميلة هي التي تخاطب الإنسان وتقدم له تجربة حياة جميلة وممتعة ومثيرة ومحفزة ترسخ في ذكرياته وتخاطب عقله ومشاعره وحواسه
 

تجميل والارتقاء بالمدينة: المسئولية المجتمعية

من المجدي أيضا في هذا السياق أن نشير إلى أن تجميل المدينة وحيويتها أصبح مسئولية جماعية من سكان ينتمون إلى مدينتهم ويفخرون بها ويكفي أن نتأمل رد فعل طفل في أوروبا أو أمريكا نحو من يلقي قمامة أو يقطف زهرة فيدافع عنها وكأنها ممتلكاته الخاصة. يجدر بنا هنا أن نتساءل ما الذي جعل هذا الطفل يتحمل هذا المستوى الرفيع من المسئولية المجتمعية؟ لذا يجب أن يكون تجميل المدينة بمفهومه الشمولي مشروعا قوميا تشارك فيه كل الأطراف من الجهات التنفيذية والوزارات والخبراء والأكاديميين في مجالات التخطيط والعمران وتنسيق المواقع والعمارة لوضع تصور وخطة عمل لتطوير الطابع الجمالي بالمدن والشوارع والميادين لخلق حالة الانتماء والارتباط بالمدينة.

 

نحو نموذجا عربيا معاصرا في تجميل المدن
من الجوهري والضروري في إطار السعي إلى تقديم نموذجا معاصرا في تجميل المدن الحرص على وجود استراتيجية كاملة للفراغات المفتوحة والمسطحات الخضراء وما يلزمها من خدمات وتسهيلات لكل مدن الدولة. ولذا يتم وضع الخطط والبرامج المستقبلية لزيادة الرقعة الخضراء والعمل على زيادة نصيب الفرد للوصول إلى المعايير المثالية المطبقة عالميا. كما تطور الادارات المسئولة عن الحدائق العامة للعمل على التوسع في زراعة الأشجار للطرق والشوارع والأحزمة الخضراء المحيطة بالمدن وزراعتها بنباتات البيئة المحلية الملائمة، والقيام بتوفير جميع سبل الراحة والاستجمام في الحدائق عن طريق إدراج خدمات إضافية حديثة وجديدة تلبي كافة شرائح المجتمع وتتماشى مع الاحتياجات العصرية.

  

ومنها تزويد تلك الحدائق بألعاب ذوي الاحتياجات الخاصة وتوفير خدمة الانترنت المجانية اللاسلكية وبحث سبل ترشيد مياه الري وتحسين جودة مياه الصرف الصحي عبر برامج إدارة فعالة لمياه الري تستخدم التقنيات المتطورة وشبكات الري الحديثة وربط أنظمة الري بالتحكم المركزي. بالإضافة إلى تفعيل دور الاستثمار وتشجيع مشاركة القطاع الخاص والمساهمة كذلك في نشر الوعي وتثقيف المواطنين والمقيمين بالمناطق الخضراء والنواحي التجميلية وتقديم الاستشارات الفنية.
  
ما قصدته في هذا المقال يتبلور في أن طموحنا في مدن عربية جميلة وخضراء يجب أن يتجاوز مجرد زرع الأشجار وتوزيع أحواض الزهور. إنما يجب أن ننطلق إلى حقبة المدينة الجميلة لأنها تخاطب الإنسان وتقدم له تجربة حياة جميلة وممتعة ومثيرة ومحفزة ترسخ في ذكرياته وتخاطب عقله ومشاعره وحواسه. بمعنى آخر أن المدينة الجميلة هي التي تحتفي بجمال العلاقة بالإنسان والمكان وتسعى لمحاولة الإقتراب من آيات الجمال المتناسق الذي أحاطنا به الله سبحانه وتعالى. ولذلك ينتمي إليها سكانها عظيم الانتماء ويتحملون مسئولية جماعية في الحفاظ عليها وصونها وتطويرها لأنها بكل بساطة مدينتهم الجميلة المبهجة التي يسعدون بوجودهم في فضاءاتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان