عن المصالح الأمريكية "الكبرى" في نقل السفارة للقدس

JERUSALEM, ISRAEL - MAY 23: (ISRAEL OUT) US President Donald Trump (L) and Israel's Prime Minister Benjamin Netanyahu delivering a speech during a visit to the Israel Museum on May 23, 2017 in Jerusalem, Israel. U.S. President Donald Trump spend his second and final day visited Mahmoud Abbas in Bethlehem, then visit the Yad Vashem Holocaust memorial and delivering an address at the Israel Museum, both in Jerusalem, before departing for the Vatican. (Photo by Lior Mizrahi/Getty Images)

في هذه الأثناء التي يتحضر فيها العالم العربي والإسلامي لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة "لدولة إسرائيل" وإطلاق التحضيرات اللازمة لنقل السفارة الامريكية إلى المدينة المقدسة، تثور العديد من التساؤلات المتعلقة حول مصلحة الدولة الأمريكية في الإقدام على مثل هذه الخطوة الخطيرة.

 
إن التأثيرات السلبية المنتظرة من وراء مثل هذا الإعلان على الأمن القومي الأمريكي لا يمكن أن تعد ولا أن تحصى، ولعل أبرزها استعداء الشعوب العربية والإسلامية عبر العالم والقضاء على ما يسمى حل الدولتين واجهاض ما يسمى بمحادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية وتشجيع التطرف وغير ذلك كثير. لكن السؤال الذي يبقى هو: لماذا إذن تصر الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتراف بالقدس عاصمة "لإسرائيل" ونقل سفارتها إليها وما هي مصالحها الكبرى من وراء ذلك؟

 
خلال متابعتنا للتغطيات الإخبارية ولآراء المحليين والمثقفين عبر القنوات العالمية والعربية، كانت الآراء تجتمع عموما حول مشاكل ترمب الداخلية ومحاولته الهروب إلى الأمام من الفضائح التي تلاحقه كل يوم وخاصة علاقته مع روسيا وغيرها. في الحقيقة إننا نرى مثل هذا التحليلات ساذجة وغير منطقية ولا تفسر أكثر من خمسة في المئة من الحقيقة. فإذا كان هذا صحيحا فلماذا قدم ترمب إذن وعدا انتخابيا بالإقدام على هذه الخطوة قبل أن يصبح رئيسا وقبل أن يظهر له ما يظهر من مشاكل؟ إن الإجابة المنطقية على هذين السؤالين مجتمعين تكمن برأينا في نقطة واحدة فقط وهي السيطرة الإسرائيلية الكاملة على السياسة الخارجية لترمب في الشرق الأوسط والعمل على تحقيق مصالحها فقط.

 
إن الباحث عن أي مصالح يمكن أن تنتظرها الدولة الأمريكية من وراء الاقدام على هذه الخطوة لن يجد أي إجابة ابدا. فنقل السفارة خطوة تهدد الامن القومي الأمريكي والمصالح الامريكية في الصميم. لذلك فان الباحث عن تفسيرات منطقية للسياسات الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تحديدا لا يجب عليه ابدا ان ينظر في المصالح الأمريكية المفترضة من وراء هذه السياسيات، بل يجب عليه البحث في المصالح الإسرائيلية فقط، وهذا ليس قاصرا على إدارة ترمب وحدها، بل مع معظم الإدارات السابقة، وإن كانت الأمور أكثر كثافة ووضوحا في عهد ترمب.

 

إن اتخاذ القرار بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يشكل إلا دليلا جديدا قاطعا بأن إسرائيل اليوم هي المتحكم الفعلي في سياسات واشنطن في الشرق الأوسط
إن اتخاذ القرار بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يشكل إلا دليلا جديدا قاطعا بأن إسرائيل اليوم هي المتحكم الفعلي في سياسات واشنطن في الشرق الأوسط
  

فلو أخذنا غزو العراق نموذجا للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط في عهد إدارة جورج بوش الابن، ولو تجاوزنا موضوع المناقشات المتعلقة بالحجج الواهية لوجود أسلحة دمار شامل في العراق وغير ذلك، فماذا كانت المصلحة التي تنتظر الدولة الأمريكية من وراء هذا الغزو؟ معظم التحليلات التي تسير في الاتجاه الخاطئ باحثة عن مصلحة أمريكية لتفسير قرار الغزو ترى بأن الدول الأمريكية طامعة في نفط العراق وهو ما يفسر المخطط المرسوم لاحتلال هذا البلد، فهل هذا كل شيء؟ في الحقيقة، إن قرار الغزو لا يمكن تفسيره إلا بتحقيق مصالح إسرائيل في المنطقة من خلال القضاء على العراق كدولة محورية وقوية في المنطقة تشكل تهديدا مباشرا لإسرائيل. وهذا ما أكدته وثائق كيفونيم عام 1982 التي اعتبرت بأن العراق هو أكبر خطر يمكن أن يهدد إسرائيل على المدى القريب ويجب القضاء عليه. لقد استخدم الصهاينة نفوذهم في واشنطن لتحريك الدولة الأمريكية لاحتلال العراق ودفع كافة تكاليف الحرب من أموال الشعب الأمريكي، وبعد ما تم الغزو وفتحت أبواب العراق قامت شركات النفط الأمريكية بنهب ثروات العراق، وهذا ما قد يفسر للبعض قرار الغزو، لكن مهلا، فهذا ليس كل شيء.

 

يجب الانتباه هنا إلى أن هذه الشركات ليست شركات حكومية مملوكة للدولة وللشعب الأمريكي، بل هي شركات خاصة يملكها الصهاينة أنفسهم وخاصة شركة إكسون موبيل التي تعد أكبر شركة تابعة لمجموعة ستاندر أويل المملوكة لعائلة روكفلر اليهودية. لذلك فإن القول بأن الدولة الأمريكية استفادت من نفط العراق كلام خاطئ. والصحيح أن الدولة الأمريكية دفعت تريليونات الدولارات كتكاليف للحرب ولغزو العراق فحققت بذلك الهدف الإسرائيلي الأول المتمثل بتحطيم هذا البلد، وبعد ذلك جاءت شركات النفط المملوكة للصهاينة أنفسهم لتنهب النفط وتدخله إلى جيوبهم الخاصة وليس إلى ميزانية الدولة الأمريكية. وللإشارة هنا فقط، فإن حجم الديون الأمريكية في نهاية حقبة بوش الابن وصل إلى مستويات قياسية تقارب الثلاثة عشر تريليون دولار، مما يؤكد تماما بأن أمريكا دفعت كل شيء ولم تحصل على أي شيء في العراق. وفي المقابل لم يدفع الصهاينة شيئا وقاموا بالحصول على كل شيء.

 
إن اتخاذ القرار بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يشكل إلا دليلا جديدا قاطعا بأن إسرائيل اليوم هي المتحكم الفعلي في سياسات واشنطن في الشرق الأوسط، وهذا ما يذكرني بعبارة قالها السناتور الأمريكي المعروف بول فندلي في كتابه "من يجرؤ على الكلام" عندما قال: "إن تأثير رئيس وزراء إسرائيل على السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط أكبر بكثير من تأثيره في بلاده ذاتها." هذه الحقيقة بات يدركها "زعماء" العالم العربي اليوم، وهذا ما يفسر لنا أيضا تهافت معظمهم لإرضاء "إسرائيل" وتقديم أوراق اعتمادهم لديها كرؤساء وملوك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان